آخر تحديث: 25 / 5 / 2020م - 5:33 م  بتوقيت مكة المكرمة

رامز ومخرج 7 وأم هارون

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

قبل بداية كل رمضان مبارك كالعادة، تواجهنا حملات ضد بعض البرامج والأعمال الدرامية في بعض القنوات الفضائية، بحجة الخوف على القيم والأخلاق والعادات والتقاليد. مثل هذه التهم ليست بالجديدة فلطالما سمعنا في الماضي القريب عن تهم الترويج للتفسخ والانحلال في هذه البرامج والأعمال الدرامية، بل وصلت في إحدى السنوات لتهمة الترويج للإلحاد. يدور الحوار هذه الأيام، تحديدا على إثر بث عملين خليجيين هما «أم هارون» و«مخرج 7»، والبرنامح الترفيهي «رامز مجنون رسمي»، حيث صاحبتها حالة من الجدل بين إشادات كبيرة ونجاح، وانتقادات حادة ولاذعة وصلت إلى حد المطالبة بمنع عرضها.

كل هذا يدل في نظري على أننا مبتدئين في عملية ممارسة الحرية، فنحن نتشدق بها ونرفض تحمل مسؤوليتها في الوقت ذاته. مبدأ الحرية في مجتمعاتنا العربية ينطبق في أعرافنا على الآراء والأفكار التي نتفق وننسجم معنا، وهو تطبيق يتناقض بشكل مباشر مع المفهوم الرئيس لمبدأ الحرية. نحن نؤمن بحرية الرأي، ولكن دون المساس بوعينا الجمعي، نحن نحترم حرية الرأي ولكن دون تناول المواضيع المهمة الحساسة، وهكذا نصنع قوائم عريضة من المحظورات، حينها تجد نفسك تحاول أن تستمتع بحرية رأيك لكنك محشور في زوايا ضيقة، وقد تبخرت حريتك وأصبحت في خبر «كان».

تعالوا معي إلى البرامج الإعلامية النقدية الأشهر والأهم في التلفزيونات الغربية خاصة الأوروبية والأمريكية منها تجد فيها الكثير من الكلمات والألفاظ الغليظة والقاسية، يبدو أن هذه الدول المتقدمة لا يردعها رادع، تعلمون لماذا؟ لأنه لا شيء يعلو عندهم على حرية الكلمة، ولا قداسة أكثر من قداسة حرية الإعلام والفن، الإسفاف والتجريح يدخلان في حيز الرأي، فما تعتقده أنت إسفافا، غيرك يعتبره أمرا عاديا، وما تعتبره تفاهة في برنامج معين، غيرك يعتبره كوميديا وترفيهاً، يمكنك أن تسطر موضوعا مستقلا عن سلبيات برنامج، وغيرك يمكنه أن يسطر مقالا منفردا عن إيجابيات البرنامج ذاته، للمشاهد الحرية الكاملة بأن يختار بضغطة زر ما يشاء، فحرية الاختيار مكفولة لا يلزمك بها أي أحد كائنا من كان، والتقييم متروك للجمهور ونسب المشاهدة هي الفيصل.

البعض من الناس يعتقد أن الحرية كلها متعة واستمتاع والحق أن ربعها أو ربما نصفها متعة، والباقي يمكن أن يكون حملا ثقيلا عليك، الإنسان الواعي يعي تماما أن طريق الحرية ليس دائما مفروشا بالورود والأزهار، حتما ستجد ما لا يعجبك، الإنسان الحر يعرف أن طريق الحرية الحقيقي لا ينحصر بما يروق لك، يجب أن تتحمل سماع ورؤية ما لا تريد، إنه ثقل الحرية الذي لا مفر منه. تلك المجتمعات المتقدمة لا تذهب فقط للأندية الرياضية لممارسة الجري وحمل الأثقال، يبدو أن لديهم أندية يتدربون فيها على حمل أثقال الحرية.

أخيرا أقول: نحن مع الأسف الشديد شعوب لا توجد عندنا لياقة الحرية، نفسنا قصير وحساسيتنا مرتفعة، أقل شيء يؤذينا، كل كلمة تجرحنا، كل سخرية تنال من كرامتنا، مشحونون وناقمون دائما، يكثر عندنا العويل والغضب، ولعل برنامج رامز خير شاهد على ما نقول.