آخر تحديث: 26 / 5 / 2020م - 11:52 م  بتوقيت مكة المكرمة

ترسانة الحديث وفن طيّ الأسرار

ليلى الزاهر *

نصفهُ بالكِتاب المفتوح في زمن اكتظ بالتعقيد والتّكلّف بينما يرى حروفه المقروءة عند الجميع طريق لكسب محبتهم ، قد نسميه إنسانًا عفويا أو بسيطًا .

وينعته الناس ب «من أهل الله».

يقول ميكافيلي: «من يلتزم بالطيبة طوال الوقتِ ، يسحقهُ المدّ الهائل من الأشخاص غير الأنقياء»

يرى البعض أن التصرفات العفوية مرفوضة وقد ينتج عنها تلقائية تصل لحد السذاجة.

وبالنظر لأحوال الإنسان نرى أنه يعيش بين شقّين اجتماعيين مختلفين ، فهناك الأصدقاء الذين يتوددون له ، ويقدمون فروض الحب ، وهناك الأعداء أو أشباهههم وهم الذين يُجهدون أنفسهم في مطاردة الأخطاء وإحصاء العثرات دون علمك بهم ودون أن يكون لك أدنى ذنب في ترسباتهم النفسية.

لذلك لابد أن يكون الإنسان تحت حُجب دخانية ولا يُفصح عن أحواله ويبالغ في الحديث عن نفسه ، وطريقه لذلك اختصار حديثه مع الآخرين ، لأن كثرة الكلام تبدد الوقار وتجعلك سهل المنال ، فتصبح ذا سيرة علنية مفتوحة ، تخضع كلماتك لجميع التفسيرات ، وكلما زاد كلامك في محفلٍ اقتربتَ من الخطأ وزادت احتمالية الحديث بغباء.

إن القوة البشرية هي سطوة الحديث المقتضب ، يُزيّنه الصمت بين لحظة وأخرى ، هذا الصمت يحكي أحاديث عميقة تظهر على قسمات الوجه دون أن يُجهد اللسان في الطرح. لذلك فإنّ اختصارات الحديث تهب كلماتك قوة ذات ترسانة ضخمة تجعلها تسير فوق الجسور الآمنة لقلوب الناس. وكما يُقال أنّ ميزان الحكم على الآخرين هو قياس خروج الكلمة منك في أزمنتها المتعددة.

وإذا كنت ترغب في إظهار الشخصية القوية بوزنها الثقيل ورأيها المُسدد عند الآخرين تخلى عن الانفتاح المطلق ولتكن لك بصمتك الغامضة التي تخفي بها حقائقك الخاصة التي قد يتصيدها البعض ويضعونها في قائمة الأخطاء تمشّيا مع عقدهم النفسية أو بغضهم الدفين.

ويدرج البعض الحديث عن أهداف غير حقيقية والتّمويه في بسط طموحه تحت فنّ الكتمان وطيّ الأسرار فيمتلك الكلمات الماكرة التي تعجز عن مواجهتها البراهين والأدلة القاطعة في تصرف يشوبه

الغموض فيتَرَدَّى في إسقاطات فاضحة مهزوزة وتنكشف أوراقه العبثية.

هناك أمور كثيرة تخالف سلوكنا الأخلاقي ولكن لابد أن نتعلمها ونتقن فهمها لأنك إذا أحجمت عن إدراكها لن تعرف كيف يستخدمها الآخرون ضدك وبالتالي سوف تكون معرفتها حماية لك.

نقف عند مشاهد كثيرة في الحياة لابد من التّريث في فهمها، ووضع النّقط على الحروف عند مواجهتها حتى يتسنّى لنا التعامل الصحيح مع من حولنا، يقول بسمارك:

«حين أضع الطعم لصيد الغزلان لا أُطلق السّهم على أوّلها بل أنتظرُ إلى أن يأتي القطيع بأكمله».