آخر تحديث: 27 / 5 / 2020م - 4:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

خصل الصباح

قيس آل مهنا *

خذيني إلى مأواك طاب لي المأوى
بقربك حيث المن عندك والسلوى

خذيني إلى مأواك حسناء فالهوى
على كبدي جرح وفي شفتي شكوى

خذيني ففي قرباك حسناء مطمحي
وفي طرفك المعسول غايتي القصوى

خذيني ولو بعضا من الوقت فالرؤى
جحيم على العشاق في جمرة نضوى

كان ذلك هو الشاعر والأديب المرحوم الأستاذ محمد رضي الشماسي من قصيدته - خذيني - في ديوانه عنوان الحب.

لا تجرحي جفنا كحلت بمرود
لا ترهقي (خصل الصباح) على يدي

لا تحسدي نورا أحاط بمعصمي
حسد الغزيل للغصين الأملد

لا تبعدي معنى صبيا شاردا
قبس كحيل  في المعاني الشرد

وكان هذا هو الأبن الشاعر أيمن محمد رضي الشماسي من مقطوعته - خصل الصباح - في ديوانه خصل الصباح.

وقد يطول الحديث لو أردنا الكلام عن ظاهرة كون الأب شاعر ومن ثم الأبن فهي كثيرة في التراث العربي قديمه وحديثه، فقد كان الأخطل الصغير وابنه عبد الله الأخطل وكانت أم نزارالملائكة وابنتها نازك.

ولكننا بصدد عرض بعض جماليات هذا الديوان والوقوف على بعض النصوص ومشاركتها القراء، الديوان الصادر من دار اطياف بطبعة العام 1440 هـ ، فإن أهم ما يميز شعره رقته وسلاسة ألفاظه وعذوبة معانيه فهو ينساب كالجدول الرقراق دون تكلف أو دون أن يعمل فكره فوق شعوره فهو يسجل شعوره محض الخاطر والحاضر دون تعب وعناء ودون تصنع.

على الرعشة السمراء من دلها وعد
وفي الخصلة الشقراء ما يسحر الورد

أحب سواريها وأشقى بدلها
ويفتنني المياد خلخاله الوجد

ودعد خيال النور ريان حاليا
وزانت رموش النور اسطورة دعد

كان ذلك من مقطوعته - الرعشة السمراء - حين تغنى بدلال معشوقته الرمزية «دعد» والذي تكرر في أكثر من مقطوعة، واصفا افتتانه بشعرها الأشقر وسوارها الأنضر ودلالها الفتان وقدها المياد كما اعتاد العرب وصف من يعشقون، إلا أنه أضفى عليها سحر الأسطورة لتكون مميزة عن كل معشوقة.

صبية لعوب..... ودفتري وكوب
وحسبها تغني.....فتضحك الغيوب
لو حبها خطايا.....اقسمت لا أتوب
وعاد من منايا.....أن تكتب الذنوب

واذا كانت دعد صاحبة الأسطورة فتاة ناضجة فهذه - صبية - لعوب أطارت قلبه وتملكت حبه وحسبها تغني فتضحك الكون من حولها، وحسبه أن لو كان حبها خطيئة وذنبا أن تكتب الخطايا والذنوب بل اكتراث ولا مبالاة فالحب أكبر من ذلك.

تعاتبني على الصد....بلون المخمل  الورد
وتغزل مائسا خضلا... كدل السحر في الورد
وهل يجدي اذا لبست...وليس اللبس ما يجدي
جميل أنها ابتسمت...وتخفي العتب في الرد

وبخلاف صدودهن واعراضهن عنه وسعيه وراء استرضائهن فإن صاحبة - المخمل الوردي - هي من تعاتبه على الجفاء والصدود، وتغريه محاولة أن تسترضيه، وما ذك إلا أنه شغفها حبا، فأهدت له روحا وقلبا، ولم تطق صدا ولا عتبا فابتسمت لتعلن رضاها.

ولكي لا يقال أن الرومانسية غالبة على الديوان فإنه لا يخلو من القصائد المتنوعة كالرثاء والمديح والاخوانيات والمناسابات المختلفة فهو لا يمضي على وتيرة واحدة كبعض الدواوين النمطية.

أطل البرد يقترب ...وصلى الموقد التعب
وفي كفيه مسبحة ... من التسعين تحتطب
انا الرسام أرسمه...وبعض أصابعي خشب

وكان ذلك في وصف - الموقد - أما في قصيدته - أبي - والتي اختصها برثاء أبيه بحرقة محزون فيقول:

أذنت بدمعي أن يغسلوك 
وأنت الموصي فما أعدلك

تراك بعيد اللقاء القريب 
ضننت بعيني أن تحملك

وكنت عيون الضحى الشاردات 
تطوف حنانا فما أجملك

ولو أن شعرا ينير السماء
لكنت النبي وكنت الملك

ختاما كان هذا ما استطعنا أن نجسه من خصل الصباح وهناك الكثير مما عذب ورق وحمل المعاني الجميلة والوصف البديع، وللقارئ الحصيف أن يحكم بنفسه.