آخر تحديث: 27 / 5 / 2020م - 4:48 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شهر المغفرة «29»

محمد أحمد التاروتي *

الحرمان من العتق من النيران يمثل الخسارة الكبرى للصائم، خصوصا وان أبواب الرحمة مشرعة منذ اليوم الأول لدخول الشهر، بيد ان المشكلة تكمن في طريقة الاستفادة من تلك الرحمة الربانية، فالبعض يفتقد للقدرة على توظيف المناخ الديني الواسع بالشكل المناسب، مما ينعكس على الخروج بخسارة فادحة، وبالتالي فان المرء بامكانه تسخير الظرف الزماني والمكاني، فيما يعود عليه بالفائدة الروحية، من خلال الاكثار من العبادات بمختلف اشكالها، ”فاسألوا الله ربّكم بنيّات صادقة، وقلوب طاهرة أن يوفّقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فإنّ الشقي كل الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم“.

خطبة الامام علي في اول أيام شهر رمضان المبارك بمسجد الكوفة، وضعت مجموعة تعاليم وإرشادات لتفادي الخسارة الكبرى، بحيث رسمت برنامجا واضحا للصائم، بخصوص الاليات المناسبة للاستغلال الأمثل لشهر الصيام، خصوصا وان الطريقة التقليدية للتعاطي مع شهر التوبة والغفران احيانا، ليست قادرة على سبر اغوار المعاني الحقيقية لفريضة الصوم، فالخطبة المنقولة عن سيد الاوصياء حرصت على تحفيز المسلم على انتهاج الوسائل المناسبة، لتعظيم الفوائد الروحية لصيام على النفس، ”وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ“، مما يعني ان الانقياد لهذه النفس يشكل بداية السقوط، والدخول في طريق الخسران.

تناولت الخطبة المروية عن امام المتقين مجموعة قواعد هامة للصائم، بهدف حثه على اتخاذ الطرق المثلى، فيما يتعلق بتفادي الخسارة الكبرى مع انقضاء شهر المغفرة، وبالتالي فان ادراك الصائم بأهمية اتباع تلك الارشادات، يقود الى طريق النجاة، والخروج بحصيلة وافرة مع نهاية شهر التوبة، خصوصا وان الصائم بحاجة الى التذكير على الدوام، مما يحفزه على الاجتهاد، والاكثار من العبادة في ساعات النهار، ”أُنظر كيف تكون في ليلِك ونهارِك“، بمعنى اخر، فان الصائم مطالب بوضع مضامين الصوم في الاعتبار على الدوام، سواء خلال الليل او النهار، بهدف تسخير هذه الفريضة فيما يرضي الله سبحانه.

قضاء ساعات النهار في النوم يفوت على الصائم، فرصة الاستفادة من فريضة الصوم، ”ما أنْقَضَ النوْمَ لعزائم اليوم“، فالصائم الراغب في تسخير هذه العبادة يتحرك باتجاه مختلفة، سواء خلال ساعات النهار او أوقات الليل، ”أُنظر أنْ لا تكون باللَّيل نائماً وبالنَّهارِ غافلاً فينقضيَ شهرُكَ وقد بَقِيَ عليك وِزْرُكَ“، وبالتالي فان عملية استغلال فرصة الشهر الفضيل، مرتبطة بالرغبة بالفوز في الدنيا والاخرة، مما يجعله اكثر حرصا على توظيف كل يوم بتعظيم الثواب الكبير، لاسيما وان الفوز بالعتق من النار ينعكس بصورة مباشرة على طبيعة التفاعل، مع فريضة الصوم بالشكل الملائم.

الخشية من الخسران تدفع الصائم لانتهاج الاليات المناسبة، لتوفير متطلبات الفوز بالجنان عبر مختلف الاعمال الصالحة، فالصائم يتحول الى كتلة ايمانية تتضح في السلوكيات الخارجية، بحيث يبتعد عن كافة الممارسات الضالة، خصوصا وان الصوم يضع المسلم امام الاختبارات الحقيقية في التخلص من الاعمال السيئة، نظرا لقدرة هذه الفريضة على كبح جماح النفس الامارة بالسوء، وتمهيد الطريق للدخول في طريق الهداية والفوز الكبير، ”فتكونَ عند استيفاء الصَّائمين أجورَهم من الخاسرين“.

السعادة الحقيقة التي يحصل عليها الصائم، تتمثل في عتق الرقاب من النار، ”، فَارْحَمْنا بِرَحْمَتِكَ، وَاعْتِقْنا مِنَ النَّارِ بِعَفْوِكَ، وَاغْفِرْ لَنا ذُنُوبَنا، بِرَحْمَتِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ“، بالإضافة الى الفوز بكرامة قبول الصيام، مما يمثل هدية كبرى لا تقدر بثمن على الاطلاق، فالصائم يعمل بكل جهده لتحقيق رضا الخالق، ”وعند فَوْزِهم بكرامة مليكِهم من المحرومين، وعند سعادتِهم بمجاورة ربِّهم من المَطرودين“، وبالتالي فان سعادة الصائم مقترنة بمقدار تقربه الى الله في أيام الشهر الكريم، مما ينعكس على صفاء الروح في المحيط الخارجي.

يبقى الفوز بالجنان غاية الصائم عبر الالتزام بالعبادات والادعية المخصوصة بشهر الصيام، حيث يمثل الإخلاص المفتاح القادر على فتح اقفال القلوب، مما يعيد المرء الى الجادة الصائبة مجددا، والانتقال من الضياع والى سبيل الهداية في نهاية المطاف.

"أيُّها الصَّائم تدبَّر أمرَك، فإنَّك في شهرِك هذا ضيفُ ربِّك، أُنظر كيف تكون في ليلِك ونهارِك، وكيف تحفظُ جوارحَك عن معاصي ربِّك، أُنظر أنْ لا تكون باللَّيل نائماً وبالنَّهارِ غافلاً فينقضيَ شهرُكَ وقد بَقِيَ عليك وِزْرُكَ، فتكونَ عند استيفاء الصَّائمين أجورَهم من الخاسرين، وعند فَوْزِهم بكرامة مليكِهم من المحرومين، وعند سعادتِهم بمجاورة ربِّهم من المَطرودين".

كاتب صحفي