آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

القراءة المتعجلة

يوسف أحمد الحسن *

عند انخراط أحدنا في عملية القراءة ومروره بالإحصاءات الخاصة بعدد الصفحات أو الكتب المقروءة كل عام، ورغبة منه في زيادة عدد الكتب التي ينهيها، يبدأ لديه هاجس - ربما مر على جميع القراء - وهو كم كتاب يريد أن يقرأ؟ وهو سؤال قد يلح على البعض لدرجة يفقد معها تلذذه بالقراءة، حيث يفكر في الصفحة الأخيرة عند ابتداءه في أي كتاب جديد، كمن يحاول إشعال الشمعة من طرفيها!

إن قراءة الكتب ليست واجبا مدرسيا سوف نسأل عنه في اليوم التالي، فجمال القراءة ومتعتها تنبثق من مسار رحلة القراءة بتفاصيلها وليس بنهاياتها، وإذا ما أريد للقراءة أن تكون رافعة معرفية فإن القراءة المتأنية هي الخيار الأمثل. بعض الكتب تجبرنا على أن نمشي الهوينا معها ونعيد قراءة بعض جملها تلذذا، ونخشى من وصولنا إلى خط النهاية، بينما يجبرنا بعضها الآخر على الهرولة للوصول إلى الصفحة الأخيرة.

ويميل بعض جهابذة القراء إلى ضرورة إعادة قراءة بعض الكتب أكثر من مرة حرصا على فهم ما بها بشكل أفضل أو للتلذذ بها «اقرأ كتاباً جيداً ثلاث مرات أنفع لك من أن تقرأ ثلاث كتب جيدة - العقاد». ويسمي بعضهم قراءة كتاب جديد بأنه يشبه اكتساب صديق جديد، بينما قراءته ثانية بمقابلة صديق قديم، كما يقول أحدهم بأن الكتاب الذي لا يقرأ إلا مرة واحدة لا يستحق أن يقرأ. ويميل الروائي الكندي «روبرتسون دافيس» إلى القول إن الكتاب الجيد يُقرأ مرة في سن الشباب وثانية في سن النضج وثالثة في الشيخوخة، كالبناء الجميل الذي يجب أن يُشاهد فجراً وظهراً وتحت ضوء القمر. ويقول الكاتب السوري خالص جلبي إنه قرأ كتاب «تجديد التفكير الديني» لمحمد إقبال عشر مرات قائلا: «الكتاب الجيد يقرأ العديد من المرات، والتافه يتوب إلى الله منه ومن قراءة يتيمة». وينقل عن الكاتب جودت سعيد أنه قرأ كتاب المفكر الجزائري مالك بن نبي «شروط النهضة» أكثر من 27 مرة. ومن يعرف «جودت سعيد» لا يمكن أن يتخيل بأنه لم يفهم الكتاب من أول قراءة، فهو مؤلف قدير وله صولاته وجولاته في عدة مجالات منها نبذه للعنف حتى سمي «غاندي العرب».

أما ابن خلدون فلديه قانون أسماه «قانون القراءة الثلاثية» قال فيه عن القراءة: الأولى مرور الكرام سطحية، والثانية تنقيحية تعرفية اكتشافية في محاولة لفهم ما بين السطور وتحت الكلام، وفي الثالثة أن لا يدع مغلقا إلا وفتحه، ولا عويصا إلا وفك مغاليقه، ولا مبهما إلا ويعرف سره. فأي نوع من القراء أنت عزيزي القارئ