آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 1:38 م

الصفح الجميل

ياسين آل خليل

الذنب عبء ثقيل يصعب حَمْله وتَحَمّله، لكونه شُعور مُؤلم وتجربة نفسية مُوْجِعة، يعتقد صاحبها بأنه مَعيوب عليه، وأنه لا يستحق الحُب من أحد، ولا الإنتماء إلى أهله وعشيرته أو حتى مُجتمعه. الشعور بالذنب هو عاطفة حارقة تأكل أحشاء الفرد كما النار في الحَطب، وتتغذى على أحاسيسه، وتَشل حركته وإرادته فتجعله غيرَ قادر على مواصلة طريقه في الحياة بعزة وحرية وصفاء ضمير.

الناس على اختلاف تكوينهم النفسي، فإنهم ليسوا على مستوى واحد من التحكم الذاتي بمشاعرهم. بعض الناس، من دافعهم الأناني، يمتلكون قدرات عظيمة تُمَكّنهم من أن يغفروا لأنفسهم ويمضون في حياتهم، وكأن شيئًا لم يكن. في حين أن البعض الآخر، يُوْصِمُون أنفسهم ب الحماقة والغباء، وبأنهم عديمي القيمة والمنفعة، لمجرد أن واجهتهم بعض الإخفاقات، أو ارتكبوا بعض الزلل في حق أنفسهم والغير. لكنها النفس اللوامة، والشعور بأن هذه النفس لم تأخذ حقها من التقريع والتوبيخ، وأنها تستحق المزيد، حتى تتعلم الدرس جيدًا، وترجع الى إنسانيتها التي فطر الله الناس عليها، وبقناعة التائب النَصُوح والصادق الأمين.

في زمن يغص بالركود والتكاسل وعدم المبالاة، ما زال هناك أناس يَتَوَارون خجلًا من أنفسهم، ولا يَحْملون أدنى شفقة في أنْ يغفروا لأنفسهم، متناسين أنهم بَشَرٌ كغيرهم من الناس مُعَرّضُون لارتكاب الذنُوب والمعاصي والهفوات.

و”الذي خَلقك فَسَوّاك فعدلك“، هلّا رَحمْتَ نفسك..! ها أنت قد عشت هذا العُمْر صفوحًا للآخرين، كريمًا مُسَامحًا لهم على ما اقترفوهُ من زَلَلٍ في حقك، وفِي أوقات مُتفرّقة. إذن لماذا تَجْبن وتَجْمُدُ في مَكانك عندما يتعلق الأمرُ بك شخصيًا..! السْتَ بشرًا كغيرك من الناس، خُلقت من طين لازب، تأكل مما يأكلون وتَشرب مما يشربون، وتمارس نفس الطقوس والممارسات والشعائر الحياتية كغيرك من عامة أفراد مجتمعك، لما إذَنْ هذه المُكابرة والتعامل مع نفسك بِهَذهِ الحِدّيَة، وكأنك ارتكبت ما لا يَغْتَفِره الغفور الرحيم..!

الكمَال لله، تَفَهمك لحقيقة أنّك لا تملك أيّ تأثير على ما حصل لك في الماضي، وأنه لا يُمْكنك بأي حال تغيير الأحداث التي جرت عليك ولا ما نَتَجَ عَنها. بَاتَ من الضرورة بمكان أن تنظر الى حاضرك بعين الرضا، وتُغْمض عينيك عن سَقطات الماضي، وتفتح صفحة جديدة تتصرف في حدودها المتاحة، بِوَعْيٍ كامل غَيْرَ مَنقوص، تحتسب فيها كلّ شاردة من الأفكار ووَاردة، وكذا هو مخاض المُتَوَجسين خيفة من عثرات اللسان وهواجس الأذهان. عندما يتعلق الأمر بتقديم واجب الاعتذار لمن أخطأنا في حقهم، لزم علينا وضع جميع الاعتبارات في نصابها الصحيح، والقيام بدورنا بالصورة والهيئة الحَسَنة، وكذا نفعل مع أنفسنا، حتى نتمكن من المُضِيّ قُدُمًا في حياتنا، وقبل أن تتخطفنا شياطين الإنس والجن وتفرض علينا فِكْرَها وايديولوجيتها، أو تَمَسَّنا بشواظ من لهيب مُهَجِهَا المشحونة بالغيظ والغيرَة وكُلُ مَامِنْ شأنه نَبْذ الآخر، فَنَقْعُد في دُوْرِنَا حَسْرَة على ما انْتَهَيْنَا إليْهِ نَادِمِيْن.

عَلّمَتنا تَجَاربنا صُعُوبَة أن نغفر للآخرين، أمّا عندما يكون الصَفْح منا وإلينا شخصيًا، فهي قِصّة أخرى لها شَجَنٌ ولوعة ومُنقلب وخاتمة لا يستشعرها إلا القليل، لذا لا يقوم بها الا مَن يمتلك قلبًا وَاعيًا ومِرَاسًا رَاقيًا يُجِيْد التعامل مع تراكمات الماضي وما يحمله من كَمَدٍ وأسَى. لو أدرك الجميع أنه من غير الوارد أنْ تَجد أحَدًا مِثَاليًا بالمَعنى الحَرْفي للكلمة، لربما تَمَكنّا من استرجَاع الطمْأنينة لأنفُسنا المُتْعَبَة، ولأدْرَكنا كَمْ نَحن بِحَاجَةٍ ماسّة لأن نَغْفِرَ لأنفسنا في المَقام الأوّل، وقبل أن نُبَادر بتجَاوز زَلّات الغَيْر.

«إلهي إن كان قَلّ زادي في المَسير إليك، فلقد حَسُن ظنّي بالتوَكل عليك، وإن كان جُرْمي قد أخافني من عُقوبتك، فإنّ رَجَائي قد أشْعَرَني بالأمْن من نقمتك، وإن كان ذنبي قد عرّضَني لِعقابك، فقد آذَنَنِي حُسْنُ ثِقَتي بِثَوابِك، وإنْ أنَامَتني الغَفْلَةُ عَنِ الإستِعدادِ لِلِقائِك، فقد نَبّهتني المَعْرفةُ بِكَرَمِكَ وآلائِك..»

*زين العابدين الإمام علي بن الحسين بن علي ”