آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 7:24 ص

في عين العاصفة‎

ياسين آل خليل

لا شكّ أن الأوقات التي نَعيشها هذه الأيام مُرْهِقة ومُعقّدة. بكل ما يَلف المَوقف من غُموض وخوف، هُناك الكثير من الأمنيات والرَغبات التي نُوَجّهها لعقولنا، وننتظر منها الإجابة المُرضِية، وإن عَلِمْنا مُسبقا ما تواجهه ألبَابنا من ضُغوطات حياتية تتطلب الفطنة والنباهة والحصافة.

إذا كان الوقت الحالي مُعْتم ومُلَبّد بالغيوم، وبالكاد يُمكنك العثور على قدميك، فكيف لك الخروج من مِحنتك، وأنت ذلك الإنسان البسيط الذي يَبذل جُهودًا يومية مُضْنِية، وعلى مدار العام، لِصُنع تَوازن حياتي، يُلبّي الحاجة، بَعيدا عن التهوّر والتبذير. كيف لك أن تستعيد قُوّتك، وتصطاد الفرص على أرض تهتز من تحتك، وعواصف عاتية، تنسف الأخضر واليابس، دُون أن تعطيك الفرصة لتلتقط أنفاسك..!

إذا كنت تعتقد أن هذا هو أصعب ما يُمكن أن يَمر عليك..! خُذ نَفَسًا عميقًا وهدّئ من رَوعِك، فأنت لا زلت تعيش حياتك الدنيا. اليوم الآخر لم يَحِن مَوعده بعد، عندما تحين الساعة وأنت حيٌ تُرزق، فلن يكون هناك مَوطن قدم لك، حيثُ ستزلزل الأرض زلزالها، وتخرج الأرض أثقالها. عندها ستكون أنت ومن تعتقد أنهم في مكان آمن، في عين العاصفة. عندها فقط، ستشعر برفاهية الحياة التي بين يديك لسنين ولم تلتفت لها. أما وقد وقعت الواقعة قبل أن تستعد لها، لن يعد ينفع التخطيط ولا العمل، لتغيير واقع الحال..!

بني الأرض هل من سامع فأبثَّهُ
حديث بصير بالحقيقة عالم
جُبِلنا على حُبّ الحياة وإنها
مخيفة أحلام أطافت بحالم
سعى الناس والأقدار مَخبوءة لهم
وناموا وما ليل الخطوب بنائم
جرت سفن الأيام مشحونةً بنا
على بحر عيش بالردى متلاطم
تأملت في الأحياءِ طرًا فَلَمْ أَجِد
بهم باسمًا إلا على ألف واجم

*معروف الرصافي

إدراكنا لحقيقة الموقف، وإحاطتنا وفهمنا لما يجري، يتبادر الى أذهاننا صعوبة المأزق الذي يَمر بنا، كما يمضي على العالم بأسره. كلّما طالت فترة عَدَم اليقين، كلّما ازدادت مَخاوفنا وتلاشى شعورنا بالأمن الصحي والاقتصادي. انطلاقا من هذا السياق، علينا أن نبحث عن طُرُق ابداعية وتدابيرَ احترازية، وأن نستعيد شجاعتنا ونؤسس لخلق أجواء نعزز فيها رعايتنا الصحية والعاطفية. لكن أولًا وقبل كل شيء، علينا أن نتأكد من أن أقدامَنا رَاسية على أرض صلبة ومستقرة.

أنت لست وحدك عالق وسط هذه الرمال المتحركة، جميعنا عالقون، لكننا نكافح للخروج منها قبل أن تبتلعنا. في هذا العالم المضطرب، لا تملك إلا أن تُجَاهد نفسك حتى تتمكن من مُوازنة مسؤولياتك، والخروج بخطوات احترازية وخُطط بديلة تعينك على التصدي لمشاكلك الآنية والمستقبلية وبأقل الأثمان.

الشغف كما الهدف، أمران مهمان، حبّذا لو نجعلهما رفيقين طوال رحلتنا التي نقوم بها في هذا الواقع المؤلم. قد تجد نفسك تُلاحق حُلم شخص ما، لتكتشف لاحقًا أن ذلك الهدف لا يتوافق والجوهر الحقيقي لشخصيتك. ما يلزمك في هذا الوقت هو أن تستعيد قواك وأن تفتح قلبك وعقلك، للدخول الى منافذ لم تكن متاحة لك من قبل.

حتى في هذه اللحظات الضاغطة، علينا أن نمنح أنفسنا مساحة أكبر من الإستقلالية عن كل شيء كُنّا مُرتهنين له، واستخدام تلك المساحة لرعاية أنفسنا التي أهملناها لسنين.

وسط تزاحم وتراكم الرغبات، ما زال هناك مُتّسَع من الوقت للرجوع الى ذاتك والسماع الى حديثك الداخلي، وما يُمْليه عليك عقلك من تعليمات للعثور على أجزائك المُبَعثرة، ومنها إلى مَسارك من جديد. بالتعرُف على شخصيتك الحقيقية ومعرفة من أنت، يمكنك مُجَدَدا بناء حياة متوازنة تطمئن من خلالها على مستقبلك ومستقبل أسرتك.

مهاراتك التى جمعتها على مَرّ السنين الفائتة، وما أضفته من قُدرات ومواهب وأنت تخوض معركتك للخروج من عين العاصفة، جميعها كفاءات كفيلة بأن تُؤسس وتنشئ قاعدة رصينة تُرْسِي دَعَائم مَسيرتك لبناء حياة مستقرة، تكون فيها ذلك الشخص مُتَعَدد الخبرات، القادر على التصَدّي لمُختلف تحديات الحاضر وعَدِيد رِهَانات المُستقبل.