آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

بعد حادثة «جازان».. ماذا ستفعل يا معالي الوزير؟

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

ربما يصاب القارئ بالدهشة لو شاهد ما شاهدت في برنامج إخباري على شبكة «سي إن إن»، حيث رأيت مجموعة من الرجال وهم يرتدون البالطو الأبيض وغطاء للرأس من البلاستيك ويضعون القفازات في أيديهم والكمامات على وجوههم، فاعتقدت للوهلة الأولى أنهم في غرفة عمليات وفي انتظار اللحظة الحاسمة للتعامل مع أحد المرضى. لقد اندهشت حين اكتشفت أن هؤلاء الرجال ليسوا سوى عمال في مخبز لإنتاج الخبز في شارع من شوارع كنسينجتون في لندن. وحينما سأل مقدم البرنامج المسؤول عن المخبز: ماذا لو أن أحد العمال نسي ارتداء الغطاء أو القفازات؟ أجاب المسؤول سريعا: يطرد من عمله فورا، لأن صحة الإنسان هو شعارنا في هذا المخبز، ولا مجال هنا للأخطاء غير المقصودة.

لعلكم سمعتم أو قرأتم الأسبوع الماضي عن فضيحة من العيار الثقيل في مستشفى جازان العام، حين تم نقل دم مصاب بـ«الإيدز» إلى وريد فتاة «عشرينية» دخلت لتلقي العلاج الطبي لمرض الأنيميا، فقدموا لها فيروس «الإيدز» القاتل، والأدهى والأمر أن أحد المسؤولين في صحة جازان ذكر في تصريح خاص لإحدى الصحف الإلكترونية ردا على سؤال حول شجاعة مسؤولي صحة جازان في تقديم استقالتهم بعد الحادثة بقوله: «لماذا يقدمون استقالتهم الآن، واللي ما يعمل ما يخطئ». إنه أمر يدعو للغرابة: مسؤول عن مخبز يتحدث عن عدم قبول الأخطاء غير المقصودة في مخبزه، ومسؤول في الصحة يتحدث «اللي ما يعمل ما يخطئ».. ما هذه المفارقة؟ وخاصة أن الأرقام المتداولة في الشأن الطبي السعودي تثير فزع المراقبين والمواطنين، فقد كشف خبراء في المجال الصحي في وقت سابق أن 25، 900 خطأ طبي قد ارتكب في المملكة خلال خمس سنوات، ما بين عام 2001 - 2006.

من جانب آخر أشارت تقارير صحفية إلى أن نسبة الأخطاء الطبية التي ارتكبت في مستشفيات المملكة الحكومية والأهلية قد ارتفعت بنسبة بلغت 86% خلال السنوات الخمس الماضية.. في الوقت الذي بلغت نسبة الممارسين الصحيين الذين أقيمت عليهم شكاوى نتيجة أخطاء طبية خلال العام الماضي 2242 ما بين أطباء وممرضين. وما زلت أتذكر ذلك المسؤول حينما سئل عن هذه الأرقام المفزعة؟ أجاب بكل مراوغة بقوله: «الأخطاء الطبية تتزايد حتى في الولايات المتحدة الأميركية».. إنني أتساءل: أي نوع هذا من الاستغفال؟ المقارنة يجب أن تكون شاملة ومتكاملة، فأميركا تسجل فيها أبسط الحالات الناجمة عن خطأ طبي، فهم يسجلون حتى حالة حدوث الزكام في الأنف إذا حدث بسبب خطأ بينما نحن لا نسجل إلا بوجود شكوى تنجم عنها عاهة مستديمة أو وفاة فأين وجه المقارنة؟! ثم إن الضحية في الولايات المتحدة يشجع على رفع شكوى من محامين متطوعين يصل عددهم إلى عشرة، أما عندنا فيحبط بعدم جدوى الشكوى، في أميركا يتم صرف تعويضات مالية كبيرة وفرض عقوبات رادعة على المتسببين، أما عندنا فنكتفي بترديد عبارة «سنحاسب المقصر بأقصى العقوبات».

المؤلم والمؤسف هو أننا لم نر حتى الآن أي خطوات جادة من قبل وزارة الصحة ـ باعتبارها الجهة الرسمية المسؤولة ـ لمواجهة مسلسل الأخطاء الطبية الدامية والمستمرة تصاعدا.. إلى أن حدثت الكارثة الصحية التي لوثت حياة فتاة جازان بفيروس «الإيدز» وهنا أوجه السؤال إلى المسؤول الأول في الصحة: ما أنت فاعل يا وزير الصحة؟