آخر تحديث: 28 / 10 / 2020م - 9:21 م

حتى اللون... ذاكرة أيضاً

أثير السادة

تلك الذاكرة التي تمشي على الأرض، في صورة مبان عتيقة، أشجار معمرة، أزقة منسية، نافذة مهشمة، تمثل شهادات على زمن مر، لها لسان تخاطبنا به، فنرى من خلاله قصص العابرين من هناك، مزاجهم، أفكارهم، شواغلهم، لذلك لا يمكن أن نبتكر لها لغة أخرى، ونجعلها دفاتر للخربشة على جدران التآويل، هي بما هي عليه عناوين حياة، وكلمات فصيحة لا تنتظر التصحيف!.

الذين تأبطوا ألوانهم قبل أيام وسعوا لتلوين الذاكرة على طريقتهم، جلبوا للناس الكثير من الأسئلة والظنون، هل يزوِّر الفن ذاكرة الناس؟ هل التغافل عن الصورة الأصل للمكان وتحويلها إلى طلاءات لا أكثر هو فن؟ هل للذاكرة ألوانها أيضا؟.. أسئلة ركضت في الأيام الماضية على طريق الذاهبين بفرش التلوين بعيداً إلى حد التدافع الوحشي على أبواب الذاكرة، غيمة من ارتباك غطت سماء الناس وهم ينظرون من وراء الصورة إلى ضياع لون وحضور آخر، وهم من تغويهم لذة اللون القديم، الشقوق التي تحكي عن عدد المرات التي عبرت منها الشمس والريح من هذا المكان، يصافحون اللون كمن يصافح طفولته الأثيرة، ويقرأ من سطورها أفراحا وأتراحا جديرة بالتذكر.

شهوة التلوين أخطأت مواعيدها، وراحت تداوي لوعة النسيان بالعبث المخيف بمرايا الذاكرة، بالأبواب التي كانت تبتكر لنا بألوانها طرقاً للخوض في قصص الأمس، حتى انتهت طرائد رخيصة لتجارب لا تعرف رائحة البحر ولا وعود البساتين، يتهكم المتهكمون وهم يقاربون ألوان الطلاء الصارخة بأعلام دول غائرة في البعد، دلالة على عبث المسافة الذوقية في هذا الصنيع، وعلى أفعال تنسى الفن قبل الذاكرة وهي تلوح للنوارس بما لا يشبهها ولا يهبها الحياة.

هي ألوان ليست لنا، هذا مختصر الطريق لمسند الغاضبين من فصول التلوين لأبواب الذاكرة، لكم ألوانكم ولنا ذاكرتنا، نحبها بملوحتها المخلوطة بملوحة البحر، بألوانها التي ترسم تواريخ العناق الطويل بين ظلال الشمس وظلال التطاريز العتيقة، نحبها بتجاعيدها التي تشبه تجاعيد الآباء، كما تشبه صمتهم في ليالي الغياب..

لن تشرق الشمس ثانية الآن من وراء ألوان مستعارة، ألوان تسرق الحياة من روح الأبواب العتيقة، وتطمر كل القصائد الجميلة التي كانت ترويها للعابرين من ضفاف المكان.. هذه الألوان الغريبة استبقت كل المعاول في هدم صور المكان، وتحويلها إلى خريطة من مفتوحة على حدود المغامرة عبر فن لا يعبأ إلا بصناعة حكايته ولو على حساب تجريف حكايا الآخرين.

الألوان أسرار، الألوان مرايا، والألوان هنا عقاب جماعي لغفلة الوقت ونسيان ضمائرنا على الرف، ليصبح المكان الذي نحب غريباً مرة أخرى.