آخر تحديث: 5 / 8 / 2020م - 11:26 ص  بتوقيت مكة المكرمة

في الموروث ومشروع النهضة

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

في كثير من مقالاتنا التي نشرت بالأعوام الأخيرة تناولنا بالقراءة النقدية الأسباب التي أدت إلى تعثر مشاريع النهضة العربية. والدافع إلى ذلك هو الخروج من حالة الانسداد شبه المستدامة التي يعانيها هذا المشروع. في تلك القراءة، تناولنا مواضيع ذات علاقة بالمشروع، كالهوية والثقافة والموروث، باعتبارها عناصر أساسية في تشكل الأمم. وفي الوقت ذاته، انطلقنا من التسليم بقوانين الحركة. فهذه المفاهيم، رغم أهميتها وحيويتها، ليست ثابتة، بل خاضعة لقوانين التراكم والتحول.

ما يحرض على كتابة هذا الحديث هو ما نلقاه من نقد وعتب من أصدقاء نكن لهم التقدير، على ما نتناوله من أفكار وطروحات، بدت ماضوية وعدمية، ودعوة ناكصة من وجهة نظرهم. على رأس المواضيع التي تناولها نقادنا، دعوتنا لاستحضار الموروث، عند تناولنا للمشروع النهضوي العربي.

المشروع النهضوي العربي، الذي ننشده، مشروع تقدم وتنمية وبناء، وتوجه نحو مستقبل يضع الأمة العربية في القلب من الحراك الإنساني المستمر، من أجل الحرية والكرامة والعدل والنماء، ويستلهم في تحقيق أهدافه، ما أنجزته الإنسانية، على صعيد العلم والفكر. وهو بذلك يتفاعل ويتلاقح مع ما أنجزته البشرية، من مكتسبات، على مختلف الصعد.

والدعوة إلى استلهام الموروث، لا تختزله، فيما هو مقدس، أو فيما تراكم من معتقدات لا تتسق مع الحاضر، بل تنطلق من رؤية أشمل وأعمق للمفهوم، تضعه في سياق الحراك التاريخي للأفكار والمعتقدات، والتقاليد والفلكلور والفنون والآداب. فكل هذه الأنشطة، هي نتاج تفاعلات ذاتية وموضوعية، وتلاقح مع تيارات محيطة ووافدة. ولا يمكن اختزالها في ظرف محدد.

هذه النظرة المتقدمة للموروث ليست حكراً أو ابتداعاً من حَمَلة مشعل الفكر النهضوي العربي، بل حالة إنسانية، تبناها عصر الأنوار الأوروبي، حين وضع العلم، في مواجهة هيمنة الكنيسة، وحين استعيض بنظرية التطور، بديلاً عن نظرية الخلق. وجد الأوروبيون ضالتهم في الفلسفة الإغريقية، فأعادوا حضور أرسطو وسقراط وأفلاطون وأرخميدس، وغيرهم من الفلاسفة العظام. وكان ذلك استحضاراً لموروث أوروبي قديم، ولكن هذه العودة لم تكن استنساخاً للماضي، بل دافعاً لانطلاقة فلسفية وفكرية جديدة، كان لها ما بعدها من أسماء لامعة، أخذت مكانها في الفكر العالمي، من أمثال كانت ودورخايم، وباكونين وهيجل وماركس وفيورباخ وروسو ومونتيسيكو ولوك وفيبر، والقائمة طويلة. هذا عدا عن العشرات من الأدباء والشعراء العظام، مثل دانتي وهيجو وفولتير.. لقد كان استحضار الموروث، في حلقاته الإيجابية، نقطة البداية في الصعود الجديد، وما أعقبه من ثورات صناعية وفكرية كبرى، امتدت حتى يومنا هذا. في النضال الروسي ضد القيصرية، اتهم لينين بالتنكر للتراث، فكتب كراسة رائعة، تحت عنوان «أي تراث نجحد؟»! أشار فيه إلى أن التراث الروسي يحمل ما هو إيجابي ومحرض على الكفاح والتطور، كما يحمل ما هو متكلس ومعيق. وأن على الشعب الروسي أن يستلهم مما هو إيجابي من التراث، وأن يلفظ ما هو ناكص ومعيق.

التراث العربي، شأنه شأن تراث الأمم الأخرى، يحمل من جانب أفكاراً محافظة وجامدة ومتكلسة، ومن جانب آخر، يحمل أفكاراً وتراثاً نيراً. وما صنع تاريخ هذه الأمة ليست الأفكار الجامدة والمتكلسة، بل الأفكار الحية والمستنيرة. كما يحمل ألواناً من النشاطات الفنية والفلكلورية، التي لا تزال حية وناصعة حتى يومنا هذا.

أوليس فكر المعتزلة والقدرية، جزءاً من الموروث الإيجابي العربي؟ والحال هذا ينسحب على شعر الفرزدق وأبو تمام، وحكم المتنبي، وابن هانئ وابن زيدون، والموشحات الأندلسية. وأين نضع شعر المعري ورسالة الغفران، ورسالة النصيحة، لابن المقفع، وكتابات محيي الدين ابن عربي؟ وهل للأمة العربية، أن تعاود نهوضها، دون أن تستحضر، كتاب «تهافت التهافت»، ومقدمة ابن خلدون؟ وهل يمكن لمشروع النهضة العربية، أن يغيب أسماء علماء لامعين، في التاريخ العربي، كالفارابي وابن رشد والحسن بن هيثم، والكندي وابن النفيس والرازي وابن سيناء وابن الراوندي، وعشرات المفكرين والعلماء العظام، الذين أضافوا الكثير، إلى تاريخ النهضة العربية، وجميعها عناصر إيجابية، في التاريخ العربي، تحرض على إعمال العقل والفكر؟

المشروع النهضوي العربي، هو مشروع مستقبل، مبني على التراكم والتفاعل، وليس الاستنساخ. وهو مشروع يرفض كل ما هو معيق من الموروث، للتطور والنهوض، ويستلهم منه ما هو إيجابي، لكي يكون العرب صناعات للتاريخ، وفي القلب من العصر الكوني الذي نعيشه، وألا نكون تائهين أو متسلقين على حوافه.