آخر تحديث: 27 / 2 / 2021م - 12:43 ص

فنٌ لم يدرس

سهام طاهر البوشاجع *

يقول: الشبع يؤدي إلى الامتلاء... والامتلاء يخدرك ويصيبك بالبلادة والانطفاء.. أما الظمأ فهو يدفعك إلى اللهفة والشغف والهيام.

هو يقول ذلك.. وأنا جربت ألا أتصل عليها ذلك اليوم وقبل انتهائه جاءني منها اتصال شممت فيه رائحة خوفها علي وتساؤلها عن سر عدم اتصالي اليومي عليها!

وما أن أشرقت شمس صباح اليوم التالي وأسدلت بخيوط أشعتها على جدران المباني وارتسمت ظلالها على أشجار الشوارع فياً يجعل لوحات الرسامين تعلق في المتاحف، حتى بادرت إلى مقهى لأطلب قهوة اختلفت تماما عن قهوتي التي أطلبها في كل مرة منذ عشر سنوات وأكثر، ولن أقول لكم كم عبث الطعم بخيالي وفاجأني كما فاجئني اتصال صديقتي وأفرحني وقد ظننت يوما أن لن يحصل أبداً.

أيعقل أن نعيش في خدر لا نعي مدى سيطرته علينا من خلال تكرار أفعالنا وأقوالنا وتصرفاتنا دون أن نترك مساحة للتغير والتجديد وللظمأ الذي يدفعنا إلى الشغف والهيام؟ بل لماذا لا نطلق لعقولنا وقلوبنا أن تفكر خارج الصندوق لا داخله وأن نخالف عقارب الساعة في دورانها دون أن نتسق معها حتى لا نملها ولا تملنا، لما لا نعطي للحياة اليومية والروتين انطفاء وقليل من الظلمة للنعم بسعادة النور الجديد الذي سنبصره في اليوم الذي يليه. لم لا نجرب ففي التجارب الدليل والبرهان ولما لا ندرس مع فنون التشكيل والتصوير فن إدارة الأشياء.

في مقالة قرأتها للكاتب ”عبد الله المغلوث“ عن ”إدارة الاشتياق“ والتي اقتبست منها مقولته في بداية المقال عبق جعلني أبعثر الأحرف قليلا عن ترتيبها الأبجدي وأجرب أن أعكس كل ما اعتدت على أن أراه معتدلا ويسعدني حتى الامتلاء لأكرر مرة أخرى تشغيله وأمتلئ ومرة أخرى أكرره فأمتلئ وهكذا حتى أشعر بالتخمة ولا أعرف السبب، وقد أسقطه على مرض أو عين أو حسد، فأعيش في دوامة الرتابة والملل والضجر، وما ظننت أن قيلا من الألم يشعر بنعمة العافية وتوقف عن الإبصار لحظة يقود للنظر إلى سعة الكون وجماله، وأن الإضافة الصغيرة التي وضعتها على قهوتي ذلك الصباح أحدثت فرقاً كبيراً في أحداث بقية اليوم.

يقول: أمير الفصحاء الإمام علي ”دواؤك فيك وما تبصر وداؤك منك وما تشعر... وتزعم أنك جرم صغير وفيك انطوى العالم الأكبر“.

فينا ما يكفي من طاقات لأن نبدع ونبتكر ونحدث فارقا كبير في هذه الحياة فنجعل من كل الأشياء حين نتملكها بإدارة حكيمة لا بالقريبة التي بعد حين تملنا ولا بالبعيدة التي من فرط ظمئها تقطعنا، فكل شيء بحسن التدبير يدار.

كاتبة ومحررة في صحيفة المنيزلة نيوز