آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 12:51 م

الشيخ المرهون - مدرسةُ خطابة تتجدد

عندما هممتُ بتسطير هذه الكلمات وفيها ذكر الشيخ المرهون، سألتُ نفسي: كيف يجوز لي أن أكتبَ فيه وعنه؟ ثم استقرَّ فكري على أنه إن يثني عليك من هو أرقى منك فذاكَ فخرٌ لك، وحين يثني عليك من هو دونك فهو فخرٌ له، وها أنا ذا من الصنف الثاني أثني على الشيخ عبد الحميد المرهون وفيه استجلب الفخر لنفسي. وكل الرجاء أن يغفر لي الشيخُ الجليل وأحباؤه على جرأتي وكلماتي الضحلة التي لا ترقى لمقامه.

لم أعرف الشيخ المرهون عن قرب ولم أجالسه إلا لمامًا ولكن جلست تحت منبره العتيد ما يربو على خمسين شهر محرم وغيرها من المناسبات التي كان لي شرف الجلوس فيها. وعرفته في مجلس المرحوم الحاج محمد عبد الله آل فردان في تاروت الذي يقيمه في الصباح من عشرة محرم الأولى مما يضطرني للحضور قبل بدءِ حصة الخطابة بنحو نصف ساعة لأجد لي مكانًا مريحًا لكثافة الحضور في كلِّ الأيام وعلى الخصوص في اليومِ الرابع وما بعده من الأيام.

لفت انتباهي في كل هذه السنوات في خطابةِ الشيخ المرهون النقاط التالية:

أولا: يطل الشيخ المرهون بقامته المنتصبة ووجهه الأسمر المستطيل الوسيم قبل الوقت المحدد بحوالي العشرين دقيقة ويتوجه نحو المقصورة وعندما يحين موعد ارتقاء المنبر لا يتأخر لا في البداية ولا في النهاية، فهو مدرسةٌ عصرية في ضبط الوقت والحفاظ عليه.

ثانيًا: يقدم الشيخ في حديث اليوم ما يربط الفكرةَ بحديث الأمس، وإن كان المحتوى مختلفا، فربما بدأ في اليوم الأول بآية من القرآن الكريم ثم يبني عليها عدة محاضرات يسبكها بكلِّ سلاسة ونعومة وكأنه يصوغها جواهر منتظمة في عقد.

ثالثًا: حافظة الشيخ المرهون وذاكرته تضيف للحديث متعةً لا حدَّ لها، فتراه يسرد الحوادثَ التاريخية الهامة بكل تفاصيلها وبين حادثةٍ وأخرى يستشهد بمقطوعة شعرية ليس من السهل حفظها لأنها ليست من الشعرِ المتداول المكرور.

رابعًا: يقدم الشيخ المرهون حديثًا يناسب كلَّ فردٍ من الحاضرين ومن تصلهم من بعدهم فهو عقلاني لا يقدم ما يثير الغرائز بل في مجملِ الحديث يخاطب العقل، فلا يمكنك ان تسمعَ منه مسبةً أو مذمةً في خصم بل مادةً تصلح للعدو والصديق.

خامسًا: صوت الشيخ المرهون وعاطفته جياشة فلا يمكنك حين تسمعه يقص عليك رزايا الإمام الحسين وتجلس دون ان تنتقلَ بقلبك إلى مشارفِ كربلاء وتصبح فردًا يرى المشاهدَ حية ونزف الماء طريًّا وتبكي لكنك على بعدِ أكثر من ألف وأربعمائة عام!

في مجمل القول يقدم الشيخ المرهون للأجيالِ الحاضرة والقادمة مدرسةً في الخطابة عزَّ وقلَّ نظيرها فلا تسمعه في حصةٍ من هذه المدرسة إلا وتخرج منها وقد ازددت علمًا ومعرفةً وأدبا. كما أن الشيخ المرهون لا ينشر الفكر والمعرفة من خلال خطاباته فوق المنبر فقط، إذ من النادر أن تخلو مكتبةٌ في بيتٍ من أثرٍ من آثارِ فكره النير الذي سطره بقلمهِ البديع. وعلى مر السنين ألَّف كتبًا كثيرة في الحجِّ والتفسير والأدب والسيرة والانسان.

فإن كنا في العادة نشكر من يعطينا المال فلا يجوز أن نغفلَ عن شكرِ من يعطينا المعرفة، وأنا هنا من موقعِ القاصر المقصر أقدم شكري المتواضع للشيخ المرهون على ما تعلمته وعرفته منه وعرفه وتعلمه غيري وهو كثير. وندعوا اللهَ أن يبقيه ينبوعًا يفيض بالحكمة والعلم من علو المنابر لتتسرب في سهول وحقول العقول وتحييها.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
ابو باسل
20 / 8 / 2020م - 5:17 م
احسنت اجدت
مستشار أعلى هندسة بترول