آخر تحديث: 21 / 1 / 2021م - 6:43 م

الحسين (ع).. حزنا لن ينقطع

عبد الرزاق الكوي

قال تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلا المودة في القربى

اتفقت كتب الحديث والرواية أن جبرائيل قد أوحى إلى النبي محمد ﷺ بنبأ مقتل الإمام الحسين ومكانه وزمانه والأحداث التي سوف تجري عليه في أرض كربلاء، بكى المصطفى ﷺ حبيب الله ورسوله لما سوف يحدث إلى سبطه وحبيبه بكى لهذه المصيبة مرات عدة وأبكى من حوله من أهل بيته وأصحابه وحزن حزنًا شديدًا، ويتجدد هذا الحزن كل ما اجتمع مع الإمام الحسين فالحزن الأول على الإمام كان في السماء، أقام له الرسول ﷺ مأتم واساه وشاركه هذا الحزن كل من حوله من الصحابة وتكررت مآتم الرسول على حفيده.

تألم صاحب القلب الحنون من أذى قريش في حياته وفي أهل بيته من بعده فقد وصل حال النبي ﷺ في حزنه وبكاءه على الإمام إلى النشيج وإرتفاع الصوت بالبكاء، جاء هاديًا ورحمة للبشرية فكان جزاءه في حياته الحروب والأذى ولم يحفظوه في أهل بيته بعد انتقاله للرفيق الأعلى واستمر هذا الحزن والألم عند أهل البيت في حياة أمير المؤمنين وفي أيام سيدة نساء العالمين حزنًا على فقد أبيها المصطفى وعلى ماسوف يجري على أهل البيت من بعدها فهذا الإمام الحسن يقول لأخيه الإمام الحسين لايوم كيومك يا أبا عبدالله " كذلك سائر الأئمة من بعد الإمام الحسين كانت مصيبة الإمام لاتفارق ذاكرتهم على امتداد أيام حياتهم وإحيائهم مجالس العزاء وحثهم وأمرهم شيعتهم ومحبيهم بإقامة مآتم الحزن والمواساة لسيد شباب أهل الجنة.

كان الأئمة إذا دخل شهر محرم الحرام يعم الحزن والكآبة حياتهم ويشتد حالهم حزنًا في اليوم العاشر من المحرم اليوم الذي استشهد فيه الإمام وأهل بيته وأنصاره فالحزن استمر في حياة الرسول ﷺ ومن بعده أهل البيت ويتواصل هذا الحزن والبكاء على امتداد التاريخ من محبي الرسول وأهل بيته وهو من دواعي الشرف مواساتهم وإقامة المآتم رغم ماواجه ذلك من صعاب وتنكيل على مر التاريخ من أعدائهم..

الإمام زين العابدين كان شاهدًا على الجريمة والفاجعة على أبيه سيد الشهداء الإمام الحسين ومن معه، شاهد كيف كانت قساوة قلوب المجرمين ليس في قتلهم الإمام وأصحابه بل بالتمثيل بالأجساد الطاهرة مالم يصدق فعله عاقل من قساوة الأعداء وسبيت بنات الرسالة فكانت حياة الإمام زين العابدين مثل جدته فاطمة الزهراء حيث عرفوا بالبكاؤون، والبكاؤون على إمتداد التاريخ خمسة هم الأنبياء آدم ويعقوب ويوسف ومن أهل البيت فاطمة الزهراء والإمام زين العابدين .

أفاطم لو خلت الحسين مجدل وقد مات عطشانًا بشط فرات

إذا للطمت الخد فاطم عنده وأجريت دمع العين في الوجنات

بكى الإمام السجاد أبيه طوال أيام حياته كانت حياته حزنًا وكآبة لهول المصاب وعظم الرزية حتى خافت عليه عمته العقيلة زينب في كربلاء من الموت ألمًا وحسرة لما حل بأبيه وأخوته وأبناء عمه وماشاهده من سبي النساء، إستمرت حياة الإمام السجاد على هذا المنوال من الحزن حتى خاف عليه أهل بيته وأصحابه أن يكون من الهالكين.

قال تعالى: ﴿وتولى عنهم وقال يا أسفي على يوسف وابيضت عيناه من الحزن فهو كضيم، وقالوا تالله تذكر يوسف حتى تكون حرضًا أو تكون من الهالكين، قال إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لاتعلمون.

كان لنبي الله يعقوب إثنا عشر إبنًا فغيب الله واحدًا منهم وهو نبي الله يوسف ولم يره ممزق الجسد ولا قطيع الرأس ولاتدوس على جسده خيول الأعوجية ولم يبقى جسده الطاهر على الرمضا بعد أن صوب اللعين كبده بالسهم المثلث.. مع ذلك ابيضت عينا نبي الله يعقوب من البكاء واحدودب ظهره من الهم.

فالحزن يتجدد في قلوب أتباع أهل البيت بمصاب الإمام مواساة للرسول في سبطه لتبقى هذه الفاجعة راسخة في الوجدان حزنًا لاينقطع وتواصل لاتغيره الأيام والظروف على خطى الرسول وأهل بيته تتواصل العبرات وتتواصل معها العبر وتبرز قيم الحق يبقى الحزن أبدي بعظمة المصاب والمصيبة وقد قيل «كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء» تبقى هذه الذكرى حبًا وولاءًا وتقربًا من قبل المحبين وهلعًا لكل أعداء الدين وهم يشاهدون هذا الولاء والإرتباط الوثيق بالحسين وإحياء مأساة سيد شباب أهل الجنة حزنًا ومحبة تتطهر فيها القلوب بهذا الإرتباط الصادق والإصرار على هذا الولاء رغم الصعوبات والضغوطات والظروف الحالكة، فهذا العمل الجليل قربى يتقرب بها العبد لله سبحانه وتعالى وإلى النبي ﷺ هذه المسيرة خطت بالدماء الطاهرة تبقى ذكراها حزنًا مستمرًا تفيض به الأعين دمعًا ليبقى فيض الملحمة الخالدة رؤى وأهداف نبيلة وأخلاقيات تزهو بها الحياة.

الإمام الرضا ع يقول لإبن شبيب: يابن شبيب: ”إن كنت باكيًا لشيء فأبك للحسين ابن علي“

سيبقى الحزن على الإمام ليس كأي حزن، كثيرًا من الأحباب على القلب قد رحلوا فكانت الحسرة والألم على فراقهم عظيمة ولكن لو تجمعت مصائب الدنيا لن يصل حزنها ومرارتها وألمها وحسرتها في القلب مثل الحزن على سيد شباب أهل الجنة ففي روايات أهل البيت أن الحزن والبكاء على ابا عبدالله الحسين عبادة بنفسها يتقرب بها المؤمن إلى الله ورسوله وتستوجب جزيل الثواب وعظيم الأجر ومظهر عظيم من مظاهر الحب والولاء لنبي المصطفى وأهل بيته ﴿قل لا أسألكم عليه أجرًا إلى المودة في القربى فالمحبين يحيون مأتم سيد الشهداء مودة وإستجابة تحيا فيها القلوب وتترسخ في الوجدان وتستمر المجالس الحسينية على مدار السنة والعادات الإسبوعية من قبل الموالين في هذه المجالس تترسخ في هذه المواتم قيم أهل البيت وإتباع المبادئ العظيمة من سيرتهم الجليلة قال تعالى ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب سيرة الرسول ﷺ تقول أنه تأثر في حياته على فقد أبي طالب وأم المؤمنين خديجة عليهما السلام صاحبا الفضل العظيم والمكانة العالية عند الله ورسوله وبكى وتأثر الرسول بشهادة عمه ومافعله كفار قريش في حمزة بعد شهادته من الوحشية في إخراج كبده.

أما الحزن على الإمام الحسين يصل إلى الجزع والجزع إظهار الحزن بشكل كبير عند المصيبة والتعبير عنه بمثل اللطم والبكاء بصوت عالي وإن كان مكروها على الناس عامة فهو مندوب على سيد الشهداء وسيد شباب أهل الجنة بل صرح البعض باستحبابه على الإمام فجميع الأحزان تهون وتخف بمرور الزمن إلا الحزن على سيد الشهداء وقرة عين المصطفى فالكون يتوشح بالسواد والحداد بالتفجع من أجله.