آخر تحديث: 26 / 10 / 2020م - 11:04 ص

في شوارعنا السيارة أسرع، فهل الدابة أسلم؟

لم يكن في ركوبِ الدواب قبل ظهور السيارات في شوارعنا كثيرًا من البهجةِ والمتعة، لكنها لم تكن مميتة في سرعةِ كيلومترات قليلة في الساعة، فلا خطورة ولا موت بقدر ما تحدثه قيادة السيارات الفارهة والسريعة فوق شوارعنا الواسعة والمنبسطة بسرعةٍ تفوق المائة كيلومتر في الساعة. يمكن لراكب الحمار والعربة - أكرمكم الله - أن ينتظرَ حتى يعبر الآخر، أما في السيارة فكلنا يسرع نحو الموت أو الخسارة!

كل وصايا الأنبياء فيها وصية ”لا تقتل“. وهي فعل نهي لا يذكر الآلةَ أو الطريقة، ومن الجزمِ أنها تعني لا تقتل ظلمًا نفسكَ أو غيرك وبأي أداةٍ أو وسيلة كانت. لكن يراودني سؤالٌ مستفز: أليست السيارة أداة قتلٍ قانوني؟ بمعنى أنك عندما تسرع قد تقتل، وعندما تتخطى الضوءَ الأحمر قد تقتل، وعمومًا عندما تخالف قوانينَ السير قد تقتل نفسكَ أو غيرك. لا تدخل السجن ولا تدفع دية لأن شركة التأمين تتحمل الخسارة المادية لكن أنتَ من يتحمل جرمَ وعقوبة القتل التي تسببت فيها، وأنت من سوف تُسأل عن الذنبِ الذي ارتكبته يومًا ما.

من العجب أننا نعيش في مجتمعٍ واعٍ ومدرك لثقل القتل على الضمير وإن كان خطأ لكننا نقتل أو نقترب من القتل! فلا نكاد نخرج من المنزل ساعةً ونعود إلا ونحمد اللهَ على السلامةِ ألفَ مرة ونقرأ سورةَ الفاتحة وآيةَ الكرسي والمعوذات ونصلي على النبيِّ وآله.

 يا لله! ماذا في القتلِ أو الموت بالسيارة، وفي الحوادث من جمالٍ وبهجة حتى يسرع إليه الصغيرُ والكبير والذكرُ والأنثى؟ فلا يكاد يمر يوم دون أن نشاهدَ بأعيننا أو نسمعَ بآذاننا عن حادثٍ شنيع ضاع فيه المال إن لم تُزهق فيه الأرواح!

وبكلِّ حزن انضمت النساءُ الى القائمة وكأنها قائمة أوائلِ الطلبة والمخترعين وليست قائمة خسارة الطاقات البشرية الغالية والأموال الطائلة الثمينة التي تُهدر في مخالفةِ القوانين والتهور والسرعة ثم الحوادث والموت. فهل نخلص إذًا إلى نتيجة أننا لا نستحق التقدم والتطور، ومن الأسلمِ والأفضل أن نعودَ لركوب الحمير والبغال لمتوسطي الحال، والخيول لميسوري الحال؟

بالطبع لا، فكلنا نستحق الأجملَ والأروع ونستحق أيضًا الحياةَ بطولها وعرضها، حتى إذا ما انقضت أغمضنا عيوننا ولفظنا آخرَ أنفاسنا في أحضانِ أحفادنا وأحبابنا، وليس بين حطامِ سيارة أو تحت عجلاتها...

مستشار أعلى هندسة بترول