آخر تحديث: 26 / 1 / 2021م - 11:10 ص

وصرخت الكتب: لِمَ تحرقوني؟

يوسف أحمد الحسن *

يتعامل البعض مع الكتب كما يتعامل مع الكائنات الحية بل حتى بشكل أكثر أهمية وحميمية من تعامله مع الناس. ويتصور بعض محبي الكتب بأن لها أرواحا، بينما يعتبرها شخص مثل سارتر جثثا لا تصل إليها الروح إلا عند لمسها. لذلك فإن من هذا البعض من قد يتحادث معها حيث يقول أحدهم مثلا «د. أحمد العرفج» إنه هجر إحدى كتب مكتبته، وعندما دخل المكتبة ذات يوم سقط ذلك الكتاب من الرف دون أي سبب حقيقي وكأنه يريد لفت الانتباه إليه.

وقصة هذا المقال هو عن امرأة عشقت الكتب وغامرت بمستقبلها الوظيفي من أجلها. ففي أيام حرب الحلفاء ضد نظام صدام، كان في العراق امرأة عشقت الكتب وتنقلت للعمل في عدة مكتبات حتى استقرت في المكتبة المركزية في البصرة. وعندما علمت بأنه قد تم تركيب مدفع مضاد للطائرات فوق مبنى المكتبة تقدمت بطلب لمحافظ البصرة بنقل كتبها إلى مكان آمن فرفض طلبها. فما كان منها وبمبادرة شخصية وبسبب عشقها للكتب إلا أن اتفقت مع عدد من زملائها على نقل بعض المخطوطات والكتب النادرة من المكتبة إلى مطعم مجاور ومن ثم إلى منزلها. إنها «عالية محمد باقر» التي راكمت نحو ثلاثين ألفا من الكتب فوق بعضها البعض في منزلها حتى إنها وضعت بعضها في ثلاجة قديمة وذلك رغبة منها في حماية الكتب التي كانت تعتبرها كأحد أبنائها. ولم يمر أسبوع على ذلك إلا وتم قصف المكتبة واحتراق قسم كبير من كتبها.

وحينما سمعت صحفية من نيويورك تايمز وهي شايلا دوان «متخصصة في القصص الملهمة من خارج الولايات المتحدة مثل باكستان وأفغانستان وكولومبيا» بالقصة كتبت عنها. بعدها قامت الكاتبة جنيت وينتر بتحويلها إلى كتاب اسمه «المرأة التي أنقذت مكتبة البصرة» تضمن رسومات وتعليقات يمكن للأطفال استلهام معاني البطولة والإيثار منها.

وبعد انتهاء الحرب وبفضل ما كتب عن البطلة عالية فقد تبرعت عدة جهات إنسانية ودولية بتكلفة ترميم وصيانة المكتبة، حينها قامت عالية بإرجاع الكتب إلى المكتبة حيث تم تكريمها من عدة جهات، كما ترجم الكتاب الذي كتب عنها إلى عدة لغات وتم تحويله إلى مسرحية في عدد من الدول، بل إنه يدرس في بعض مدارس العالم كموضوع عن التضحية والإيثار.

وفي لقاء لها مع صحيفة نيويورك تايمز قالت إنها ناحت عندما شاهدت المكتبة تحترق ويتحول 25 ألف كتاب فيها إلى رماد، وأنها تخيلت الكتب العلمية والثقافية والفلسفية فيها وكأنها تصرخ «لماذا! لماذا! لماذا!».