آخر تحديث: 17 / 1 / 2021م - 12:22 ص

زينب (ع).. أربعين يوم من السبي

عبد الرزاق الكوي

الحادي عشر من المحرم الحرام سنة 61 هجرية بذأت مسيرة العذاب بسبي نساء أهل البيت بعد مقتل الإمام الحسين بن علي والرجال من أهل بيته وأنصاره في كربلاء المقدسة، بعدها نساء ثكالى وأطفال يتملكهم الرعب من هول الفاجعة، ركبوا على ظهور الهوازل بلا غطاء وتحت ضرب السيط، أخذوا من بلد إلى بلد على امتداد اربعين يوما من الاذى وانتهاك أبسط المواثيق الإنسانية لبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم.

كانت جريمه من أعظم الجرائم على مر العصور والأزمان لم يقل أثرها وعظم مصيبتها عن شهادة الإمام الحسين على نفوس أهل البيت وعلى نفوس المؤمنين، فالسبي مع مرارته وعظم مصيبته كشف عورة أعداء الإسلام وحقدهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأهل بيته، مجموعة مارقة كانوا يتظاهون نفاقا باسم الإسلام، فالهجوم على النساء والأطفال أمر مستهجن في كل شريعة ودين، فكيف إذا كانت المسبيات بنات الرسول المصطفى..

”إن لم يكن لكم دين وكنتم لاتخافون المعاد فكونوا أحرارا في دنياكم“

الدفاع عن الدين كان يحتاج الى تضحية وعطاء بحجم شهادة سيد شباب أهل الجنة وسبي نساء أهل الببت من أجل إنقاذ الإنسانية من عبادة الأصنام الى عبادة الله تعالى، كان هذا هو خط الرسول صلى الله عليه واله حيث تعرض الى أذى قريش وتعرض للقتل والمؤامرات المستمرة طيلة حياته الشريفة وكذلك سائر أهل البيت فكانو المثل الأعلى في الدفاع عن القيم والرضا بقضاء الله وقدره فيما يصيبهم من ظلم وقتل، لم يكن فقط لرجال أهل البيت فقد كانت خديجة الكبرى المدافعة الأولى عن حماية الدين ورفع راية الإسلام وبعدها ابنتها الصديقة فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين وعلى هذا المنوال كانت العقيلة زينب بقدرها العظيم ومكانتها الجليلة بوجودها في كربلاء مع أخيها الإمام الحسين لتواصل فضح الواقع الفاسد وإظهار المظلومية والانتهاكات والاجرام في حق أهل بيتها وحماية الدين من الاندثار حسب المخطط المعمول به من قبل الأعداء، ماوقع في أيام عاشوراء نقلته العقيلة زينب للعالم وكشفت الزيف والخداع وأوصلت مظلومية الإمام الحسين للعالم.

كانت وهي العالمة غير المعلمة تعرف ما كان ينتظرهم في كربلاء من عناء ومشقة وخبرت قساوة القوم وحقدهم لأهل البيت .

سمعت العقيلة زينب ابن عباس ينصح الإمام بعدم أخذ الامام الحسين النساء معه إلى العراق فكان ردها: ”يابن عباس تشير على سيدنا بأن يخلفنا هاهنا، ويمضي وحده لا والله بل نحيا معه أو نموت، وهل أبقى لنا الزمان غيره، لانفارقه أبدا حتى يقضي الله ماهو كائن“

بقت العقيلة طودا شامخا تولت رعاية الأسرة بكل شجاعه وصبر منقطع النظير كان لها الأثر الكبير في حفظ بنات وأطفال أهل البيت وحفظ النهضة الحسينية وإيصالها إلى العالم، وكشف الإجرام الذي وقع في عاشوراء وماجرى بعده.

أعداء أهل البيت كانوا منذ عهد الرسول ﷺ يعملون على محاربة الدين ولم يتوانوا عن فعل كل قبيح أو إجرام من مؤامرات وفتن وقتل ينتظرون الفرصة في القضاء على رمز يمثل بقاء الدين، فكانت كربلاء أملهم في طي صفحة بقاء الدين فخاب أملهم وقضي على أحلامهم بوجود صوت الحق في بقاء القوة للدين واستمراريته كما اراده الرسول ﷺ حيث واصلت حفيدة الرسالة الدور المنوط بها في الجهاد من اجل اعلاء كلمة الله وإظهار الحقد على الدين من قبل أعداءه وتحملت المسؤولية العظيمة في مواجهة الانحراف وأفسدت بقوة إرادتها وشجاعتها المخططات الماكرة من قبل الأعداء، في دور بطولي لم يشهد التاريخ له مثيل في القوة والمواجهة وتأليب الرأي العام وفضح المتربصين بالإسلام بفعلهم الإجرامي، حيث دمرت بصمودها جبروت الأعداء في كل مجلس حضرته بقوة منطقها وفصاحة لهجتها وقوة شخصيتها تحاكم القتلة وتكشف زيفهم وعدم شرعيتهم وإنحرافهم عن الدين ورفعت اللثام عن حقيقة موقفهم ومؤامراتهم التي تستروا خلفها.

فالإمام الحسين عندما قال: ”شاء الله أن يراهن سبايا“ لم يقل هذا من فراغ وهو سيد شباب اهل الجنة، العالم بما سوف يجري من جده المصطفى، ومن أمير المؤمنين علي بن ابي طالب فأن وجود العقيلة زينب في كربلاء كان مصلحة عظمى لبقاء وحفظ الإسلام ورسالة لا تقل أهمية عن رسالة ودور الإمام الحسين من أجل واقع مشرق للبشرية وحياة كريمة، فكان الدور العظيم والمميز للعقيلة في كربلاء بصبرها وتفانيها، فلا غرابة فهي من بيت عز وشرف كان رائد في الدفاع عن الإسلام والقيم، فالجد رسول الله ﷺ والأب أمير المؤمنين والأم فاطمة الزهراء والإخوان الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة والجد من الأب أبو طالب المدافع القوي عن بقاء الإسلام، فكانت رمزا للتحدي حملت على كاهلها الدور الأصعب في تاريخ الإسلام وقادة المسيرة المظفرة بنجاح في مواجهة جيشا يمتلك كما هائلا من الكراهية والبغض للدين وحملته، مواقف مشرفة قامت بها العقيلة عجز عن القيام بها كثيرا من الرجال.

كان القتلة يتسترون بأسم الإسلام ويجعلون فعلهم تحت مظلة دينية بوجود المطبلين وواضعي الأحاديث حسب الطلب وتزييف للواقع تحت القوة العسكرية وصولا للقتل، وهذا المخطط لها امتداده في الواقع الحالي بظهور قوى إرهابية تحت مظلة الدين تقتل وتسبي تحت صيحات الله أكبر، بفتاوى مأجورة ومخططات مدروسة وأجندات خارجية تريد الشر بالإسلام، تحت دعم استخباري غير محدود مخالفا لكل القيم والأعراف والمواثيق الدولية، مزقت وأحرقت الأجساد وقطعت الرؤوس وسلبت النساء، بإمكانيات ضخمة لم تستطع دول في تاريخها الطويل امتلاك مثل تلك الإمكانيات، سبي النساء قديما وحاضرا له مشتركات هو الحقد على الإنسانية وعقدة النقص والبعد عن القيم وأي وازع اخلاقي مجموعة شرذمة تجمعهم الدناءة بهتك الأعراض الشريفة وقتل الأنفس البريئة، بفتاوي تحت الطلب نسوا هموم ومشاكل الامة وشرعوا للقتل والسبي، وأشد الخطر ان يشرع القتل بأسم الدين هذا هو الدمار بعينه والفساد في الأرض.

هذا الواقع المحزن هو بابتعاد الأمة عن خط الرسول ﷺ المتمثل بأهل البيت المدافع عن رسالة الاسلام وكشف المستور بما يتربص بالدين من جرائم ضد الإنسانية وحرب إبادة منتهجة وأحقاد عنصرية وطائفية مقيتة، تصيب بالغثيان والاشمئزاز تعرض النساء سبايا في الأسواق كسلعة تنتقل من واحد إلى آخر بتسعيرات مع وصف تفصيلي للمواصفات الجسمية والأعمار ومنهن صغيرات في العمر، تصرفات بربرية خارجة عن الإنسانية والإسلام منها برآء، الإسلام كرم الإنسان بشكل عام والمرأة بشكل خاص، لم يشرع السبي وجهاد النكاح وغيره من المسميات من إشباع نهم أنفس مريضة وعقلها ليس في رأسها..

بقى الاسلام خالد بصوت العقيلة زينب ويسيبقى مدى الزمن بصوت الزينبيات بما يجاهدنا وينجبنا وينشأنا اجيال تسير على خطى الامام الحسين وأهل البيت .