آخر تحديث: 23 / 1 / 2021م - 2:31 م

زينب (ع).. المرأة العظيمة

عبد الرزاق الكوي

العقيلة زينب ثاني أعظم سيدة في الخلق بعد أمها فاطمة الزهراء تربت في بيت النبوة والإيمان تحت ظل أمها سيدة نساء العالمين وأمير المؤمنين امام المتقين وسيدا شباب أهل الجنة فجمعت الفضائل والإيمان من أوسع أبوابه حتى أصبحت بشهادة الإمام زين العالمين : ”انت بحمد الله عالمة غير معلمة، وفهمة غير مفهمة“، وتاريخها المشرف بشكل عام وفي كربلاء ومابعدها بشكل خاص يدل على مكانتها وجليل شأنها ولدرجة أن تحضى بالعصمة الصغرى، تخرجت من مدرسة أهل الكساء فاكتسبت أجل الخلق وأعظم الفضائل ما جعلها مفخرة الإسلام وعظيمة العالم بعد أمها فاطمة الزهراء ، ورثت المجد من بيت الكمال، طيبة النسب اختارها الله تعالى لنصرة دينه، وتوجة عملها بحفظ الإسلام وبقاء مبادئه، كانت شامخة بشخصيتها الفذة لا تحركها العواصف ولاتهزها الرياح، خشيت الله تعالى فانتصرت وأرعبت الجبابره، كان مصابها العظيم هو ما أصاب الإسلام من تحريف، فقالت كلمتها المشهورة من أجل بقاء الإسلام، ”إن كان هذا يرضيك فخذ حتى ترضى“، يقين وقوة موقف واصلت به مسيرة الانتصار، هزمت معسكر أحاط نفسه بواضعي الحديث والجبروت والتزييف والتحريف، فكان منطقها الحق وكلامها الصلاح وخطبتها البلاغة نبراسا لعلم متوارث في قوة المنطق ورجاحة العقل وسمو الفكر، والارتجال في السرد، ببلاغة علوية وفصاحة هاشمية. قالت بكل ثقة وقوة في ردها على عدوها:

”ما رأيت إلا جميلا هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم فتحاجون وتختصمون عنده“ منطق الإيمان القوي والتسليم الصادق والتفويض الإلهي والرضا بقضاء الله وقدره.

فالعالم يقف إجلال لهذه المرأة عظيمة الفضل جليلة المكانة جاهدت ليس كأي جهاد كانت بقامتها جيشا لا يمكن هزيمته، لم تتراجع او تنكسر مع هول المصاب وعظمة الرزية وجبروت العدو، سني حياتها الخمس والثلاثون التي عاشتها في ظل أمير المؤمنين كانت كفيلة لقيادتها معركة من أشرس المعارك دموية وجرأة على الله تعالى ورسوله، صمدت أمام المصاعب بنفس مطمئنة وراضية. ﴿وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة.

أوصلت صوت النهضة الحسينية للعالم، وحققت أهدافها فكانت خير الشريك والبطلة المتوجه في أرض كربلاء وبعدها، حريا بها أن تكون من البكائين بعد أن شاهدت الأجساد ممزقة والرؤوس مقطعة، لكن كانت المسؤولية أكبر من البكاء، انه يوم مواصلة العطاء لهذه الأسرة المباركة تتوارث المجد والعزة والكرامة، قالت مودعة أخيها: ”يامحمداه صلى عليك مليك السماء هذا حسين مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا والى الله المشتكى“.

فكانت الخطوة التالية المجابهة بالكلمة فكانت الكلمة التي هزت أركان الظلم وفضحت الواقع الفاسد، رسمت على صفحات التاريخ إشراقة مرصعة بالعظمة وقوة الحق والثبات مهما كانت الخطوب.

قال بشير بن خزيم الأسدي: ”نظرت الى زينب“ ع ”يومئذ فلم أر خفرةً والله أنطق منها كأنها تفرغ عن لسان أمير المؤمنين علي بن أبي طالب“.

كانت متهيأة لدورها لقيادة المعركة وحيدة إلا من الإيمان، مع مسؤولية الحفاظ على النساء والأطفال وعظمة هذه المسؤولية كانت حماية الإسلام أمام عينيها، قالتها بكل ثقة ووعدت فكانت أهلًا للوعد لأخيها الإمام الحسين : ”يابن أم طب نفسا وقر عينا ستجدني كما تحب“ والعالم وجد العقيلة زينب تاجا للعطاء وأهلا للقيادة، تتوج بالمرأة العظيمة الحافظة للدين، يكل اللسان عن إحصاء عطاءها وتنحسر الأقلام إجلالا لعظمتها ويعجز البيان عن ذكر بطولاتها، فغيرت مسار التاريخ وأصلحت الأعوج من الإنحراف، بدور عجز عنه الرجال وتراجع عن القيام به الأبطال، فحارب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب الناكثين والقاسطين والمنافقين فانتصر، وكانت زينب في كربلاء ومابعدها المنتصرة في حرب لا تقل شراسة عن حروب أبيها. ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر ومابدلوا تبديل.

فكان الفتح المبين والنصر الدائم بفضل الإرادة الزينبية الصلبة فمن لحق بهم في كربلاء أدرك الفتح، ومن سمع نداء زينب بعد كربلاء وسار على خطاها على طريق الفتح والفوز والثبات.

قال الإمام الحسين : ”من لحق بنا استشهد ومن تخلف عنا لم يبلغ الفتح“

أفسدت السيدة زينب انتصارهم المزيف وخاب أملهم بالقضاء على الدين والمدافعين عنه وكشفت سريرتهم فقالت بصوت مجلجلا ينم عن عظمة المتكلم وقوة شخصيتها وشجاعة موقفها: ”فكد كيدك واسع سعيك وناصب جهدك، فوالله لا تمحوا ذكرنا ولا تميت وحينا“. فكانت تدافع عن بقاء الوحي واستمرارها وشرف الامة وعزتها وكرامتها، حتى لو قدمت الأنفس وهجم على الخيام وسحقت الأطفال وسبيت وضربت النساء بالسياط وهددوا بالقتل.

كانت وستبقى العقيلة زينب أصالة سماوية وشجرة نبوية ودوحة هاشمية وترجمة قرآنية أصلها ثابت وفرعها في السماء، عظيمة التضحية، تنطق بحكمة، وتتكلم بعلم، وتتعامل بأدب، وتقول عن معرفة، حملت المثل في شخصيتها والمبادئ في تصرفها، عظيمة الفضائل والسجايا الحميدة، فكانت أمها فاطمة الزهراء الصديقة الكبرى، والعقيلة زينب الصديقة الصغرى.

عندما رأت الإمام زين العابدين يجود بنفسه من شدة المرض وهول المصيبة خاطبت الإمام وهي المتيقنة بأن مايجري بعين الله سبحانه وتعالى: " مالي أراك تجود بنفسك يابقية جدي وأبي وإخوتي، فو الله إن هذا لعهد من الله إلى جدك وأبيك، ولقد أخد الله ميثاق أناس لا تعرفهم فراعنة هذه الارض وهم معروفون

في أهل السموات أنهم يجمعون هذه الأعضاء المقطعة والجسوم المضرجة، فيوارونها وينصبون بهذا الطف علما لقبر أبيك، سيد الشهداء لا يدرس أثره ولا يمحى رسمه على مرور الليالي والأيام، وليجتهدن أئمة الكفر وأتباع الضلال في محوه وتطميسه فلا يزداد أثره إلا علواً".

الحوراء زينب زينة اللوح المحفوض، اعتلت سماء المجد بكل افتخار فاقت الفرسان في شجاعتهم والصناديد في عزيمتهم والبواسل في شكيمتهم، اعادت حقا كان مسلوب، وأمرا كان مغصوب قادت الهجوم المضاد وقبلت التحدي فكانت اهلًا له فكأن المعركة الحقيقية بدأت بعد عاشوراء فكانت أشد ضراوة من المواجهات المسلحة والقوة العسكرية.

قال رسول الله ﷺ: ”أنا أقاتل على التنزيل وعلي يقاتل على التأويل“.

فكانت مسيرة أهل البيت مسيرة مشرقة في القتال على التأويل، أوجدت العقيلة زينب واقع امتداد لبقاء التنزيل والتأويل، تحملت الآلام وتجرعت كل الغصص، فأبهرت العالم بشجاعة لا مثيل لها بين النساء والرجال، جراءة في الحق وسداد في العقل.

ستبقى العقيلة زينب القدوة الحسنة والنموذج المشرف، والواقع الإيماني، لكل الأجيال بالعزيمة يصنع التاريخ، انه الثبات الزينبي الذي ملاء العالم نورا وإشراقا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد عبدالمحسن
[ الدمام ]: 30 / 9 / 2020م - 12:45 م
" زينب ( عليها السلام ) المرأة العظيمة "
العنوان كما يقال جامع مانع، وهذا العنوان يختصر الطريق لمن أراد معرفة مضمون هذا المقال المفيد والجميل..!!..