آخر تحديث: 27 / 2 / 2021م - 12:05 ص

يوسف ايها الصديق افتنا!!

سلمان محمد العيد

خلال العامين الماضيين، صار لي شرف مشاهدة مسلسل «يوسف الصديق» وهو مسلسل إيراني، تمت دبلجته باللغة العربية، واستمعت ـ في وقت متقارب ــ لسلسلة محاضرات القاها السيد هادي المدرسي عن قصة النبي يوسف، وبدت لي على ضوء هذه العملين، ما يلي:

أولا: إن مثل هذا الانتاج ذي القيمة الفنية العالية كان من المفترض ان يتم انتاجه في الوطن العربي، وتحديدا في مصر، فمعظم أحداث المسلسل حدثت في مصر، لأن النبي يوسف قد انتقل الى مصر، وعاش معظم حياته فيها، ولكن الدراما المصرية ما زالت مشغولة بقضايا المخدرات والجرائم و«الجوازة دي مش رايح تتم»، اضافة الى أفلام التهريج و«......»..

وبسبب عدم قدرة المصريين على انتاج عمل ضخم مثل هذا قام الايرانيون ـ وعلى مدار عشر سنوات ـ بتجهيز بنية تحتية لهذا المسلسل، لدرجة ان اعداد سيناريو المسلسل لوحده استغرق اربع سنوات لم يتركوا مصدرا في التاريخ العربي وغير العربي والمصادر الاسلامية الا واطلعوا عليه، هذا فضلا عن اعمال النقوش والتماثيل والرسوم والمواقع، التي اعمال تستوجب صرف المزيد من الوقت والمال..

النتيجة ان مسلسلا كبيرا ورائعا من الناحية الفنية، وتمت دبلجته للغة العربية فبات اكثر انتشارا، ووصل الى المتلقي العربي بشكل افضل من جملة المسلسلات التركية والمكسيكية التي ــ مهما قيل عنها ــ فإنها لا تخلو من خلل أخلاقي، بعكس مسلسل «يوسف الصديق» التي هي سيرة نبي، ومذكورة في القرآن، وأحداثها يمكن ان تجري في أي مكان في هذا العالم، ومن يشاهد المسلسل، ويقرأ السورة الكريمة يجد الفائدة العلمية والاخلاقية والأدبية والمتعة الفنية.

ثانيا: إن النبي يوسف كان يحمل مواصفات تجعله متميزا في كل مكان يتواجد فيه، أولى مقومات التميّز هي النبوة وما تحمله من مقومات أخلاقية وعلمية وشخصية، يضاف الى ذلك المقومات الشكلية فالنبي يوسف كان جميلا لدرجة انه في كل مكان يدخل كان لافتا للنظر بجماله وحسنه، ويبدو لي أن جماله الذي بات مضرب المثل لم يأت فقط من الجانب الشكلي، وإنما هناك جانب معنوي يضفي على الشكل لمسة اخرى وجمالا أكثر فالأعمال الخيرة تظهر على صاحبها، والأعمال الشريرة تظهر ايضا على صاحبها..

بالتالي فمن يتطلع لأن يكون ذا تأثير في الناس فعليه ان يكون نظيفا من الناحيتين المعنوية من خلال الإيمان والتقوى والصبر والتواضع، والمادية من خلال الشكل واللبس والتزين، فقد يكون الجمال نعمة من الله، والإنسان لا يتعامل مع النعمة بشكل سليم، وقد لا تكون هذه النعمة موجودة، لكن الانسان بسلوكه ونظافته المعنوية والمادية قد تعطيه لمسة جمالية فيكسب حب الناس، فليس كل المؤثرين في الناس ذوي بشرة حسناء!

ثالثا: هناك حقائق على الصعيد السياسي وعلاقة السياسة بالمبدأ، تجسدت في قصة النبي يوسف، فهناك من يتعامل مع النظم السياسية بسلبية للغاية، بمعنى يرفض التعاطي مع الحكومات ولا الحكام، بينما النبي يوسف دخل في الحكم وعمل وزيرا للمالية، في وقت كان الحاكم على ملة أخرى..

النبي يوسف نفسه الذي قبل ان يكون في السجن لمدة عشر سنوات على أن يحقق لإمرأة العزيز مرادها في معاشرة جنسية محرّمة، لكنه نفسه قبل ان يدخل مع حكومة كافرة وغير عادلة ايضا ويعمل من خلالها، ويمارس دوره الاصلاحي من خلالها ما يؤكد أن هناك مباديء متفق عليها، ومباديء لا تزال مورد خلاف، وان التعاطي مع الحكومات ليس شرا مطلقا، بل يمكن أن الشخص يقدم خدمات لإمته ومجتمعه دونما صدام مع الحكومة الجائرة..

بالتالي فليس كل من يعمل في دائرة حكومية، حتى لو كان وزيرا هو بالضرورة ضد مصالح الأمة والشعب، كما يعتقد البعض.. مع ملاحظة هنا ان من يكون سلبيا في التعاطي مع الحكومات قد لا يكون ثوريا بالضرورة، لكه قد يكون رجعيا متخلفا، لكنه سلبي في التعاطي مع الحكومات، فلا يعارضها ولا ينفتح عليها، فهو يعادي كل من يعارض الحكومة، وكل من ينفتح عليها، وأظن ان النماذج واضحة في هذا الشأن.

رابعا: بناء على الأحداث التاريخية، والتي لم يرد ذكرها في سورة يوسف، وكما وردت في المسلسل، وتطرق لها السيد المدرسي ايضا هي ظاهرة المتاجرة بالدين، من خلال كهنة المعبد الذين كانوا دولة داخل دولة، يجمعون الأموال، ويأكلون الضعف على حساب الدولة.

وفي الوقت نفسه يحيكون الدسائس، وأكثر من مرة حاولوا اغتيال الحاكم.. فتؤكد ان كهنة الدين والمتلبسين به هم اخطر على الحكومات من المعارضين لها صراحة، فالنبي يوسف يختلف مع الحكومة في الدين، ولم يركع للحاكم لكنه خدم الدولة والناس والوطن اكثر من كهنة المعبد الذين هم على دين الدولة، وكلما جاء كبيرهم «اليخماهو» ينحني للحاكم، لكنهم ما فتأوا يسرقون الدولة، ودبّروا مكيدة لدس السم للحاكم امنحوتب الثالث، كما أنهم ظلوا يمارسون شتى اشكال التدليس وغش الناس، وسرقتهم.

قصة النبي يوسف خالدة، والعبر منها لا تتوقف، لأنها موجودة في القرآن، والقرآن كتاب الله الخالد فهو معين لا ينضب.