آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

الجهل الشهي!

هل لاحظتم أننا نسأل أنفسنا في مراحلَ حياتنا المختلفة أسئلةً أغلبها بشرية وعالمية، متحررة من كلِّ اللغات والعقائد والأديان والجنس، وعلى الخصوص في سنواتِ الطفولة والشباب: هل سوف أكون غنيا؟ هل سوف أحب؟ هل سوف يحبني أحد؟ هل سوف أكون سعيدًا؟ سلسلة لا تكاد تنتهي من أسئلةِ استنطاق الغيب!

لكن أليس هذا من أنواع الجهل بالمستقبل الحلو المستطاب؟ بحيث تتسرب هذه الحلاوة لحياتنا، فإذا بها تجعلها مثل أفعوانية تعلو وتنخفض بين الأرضِ والسماء ونحن كالأطفال نستمتع بها في الملاهي؛ مع أنها تخيفنا وترعبنا حتى الموت؟! فبدلاً من المعرفةِ المطلقة ها هي الامتحانات تترى، تختبر الناسَ دونَ فرق، تارةً بالرخاء والخير وتارةً أخرى بالشَّر والشدة، ويخرج الناسُ من مواقدها أقوياءَ وأشداء. وإذا بالبلايا تصبح عطايا تصهر الناسَ لتصفيهم وتمنتحنهم، مثلها مثل نعمةِ المال والبنون والصحة والجاه.

في الحقيقة لا يمكننا أن نتحكم بكل ما سوف يحدث لنا، وبعض ما سوف يحدث سوف يحدث أحببنا أم كرهنا، ولن نستطيع أن نفهمه أو نعرفه اكثر مما ينبغي لنا كبشر. ومع ذلك لا يجوز لنا التقاعس والكسل وأن لا نفعل شيئاً على الإطلاق، فالتحدي الحقيقي أن يرضى المرءُ بكليهما، المرّ والحلو، ويضع الإنسانُ قدمه وينطلق نحو استكشاف الممكن وترك الغير ممكن.

هذا المجهول الحلو هو الذي يقلبنا من فقرٍ إلى غنى ومن مرضٍ إلى صحة ومن خوفٍ إلى طمأنينة ومن حبٍّ إلى بغض. وهو الفاعل النفسي الذي يظهر إيماننا بالغيب وخالق الغيب ”الله“، ليبين لنا - وليس لله - كم نحن ضعفاء أو كم نحن أقوياء في خِضَمّ هذا الصراع الكوني المحتدم بلا لين أو رفق!

وعندما تمر الأعوامُ بعد الأعوام ونجد أنفسنا محاطين بالأسئلة، ويشب هذا الجهل عن الطوق ولا نجد إجابات شافية، سوف تتجلى الحقيقة أن ليسَ إلا الله من يملك الإجابات، ويفتح المخارجَ والمنافذ التي يظن الناس أن لا أحدَ يستطيع فتحها!

دع المقاديرَ تجري في أعَنّتها
ولا تبيتنّ إلا خاليَ البالِ

ما بين غَمضةِ عَينٍ وانتباهتها
يغيّر الله من حالٍ إلى حالِ

مستشار أعلى هندسة بترول