آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

فائدة لغوية «6»: ”تَأْبَى لَهُ ذَلِكَ بَنَاتُ أَلْبُبِي“

الدكتور أحمد فتح الله *

مثل عربي قديم في رقة وحنان الأم، وكذا في الرقة لذوي الرحم عامةً.

قال أبو الفضل الميداني، في ”معجم مجمع الأمثال“ «ص: 112»، قالوا: أصل هذا أن رجلًا تزوج إمرأة وله أُمٍّ كبيرة، فقالت المرأة للزوج:

- ”لا أنا ولا أنت حتى تخرج هذه العجوز عنا“،

فلما أكثرت عليه احتملها على عنقه ليلًا، ثم أتى بها واديًّا كثير السباع فرمى بها فيه، ثم تنكر لها، فمرَّ بها وهي تبكي، فقال:

- ”ما يبكيكِ يا عجوز؟“، فقالت:

- ”طرحنى ابني ههنا وذهب وأنا أخاف أن يفترسه الأسد“، فقال لها:

- ”تبكين له وقد فعل بكِ ما فعل؟، هَلَّا تدعين عليه“، قالت:

- ”تأبى له ذلك بَنَاتُ أَلْبُبِي“ [1] 

”بَنَاتُ أَلْبُبِي“، يراد بها عُرُوقٌ في القلب تكون منها الرِّقَة. قال الكميت بن زيد [2] :

إليكم ذوي آل النَّبيِّ تطلَّعتْ
نَوَازِعُ من قلبي ظِمَاءٌ
وأَلْبُبُ [3] 

وهذا البيت من أعظم القصائد في أهل البيت ، ومطلعها:

طربتُ وما شوقًا الى البيض أطربُ
ولا لعبًا مني أذو الشيب يلعبُ

وفيها:

ولكن إلى أهل الفضائل والنُّهى
وخير بنى حواء والخير يطلبُ

الى النفر البيض الذين بِحُبِّهم
إلى الله فيما نابنى أتقرَّبُ

بني هاشم رهط النبى فإننى
بهم ولهم أرضى مرارًا وأغضبُ

إلى أن يقول:

إليكم ذوي آل النَّبيِّ تطلَّعتْ
نَوَازِعُ من قلبي ظِمَاءٌ و
أَلْبُبُ

فإني عن الأمر الذي تكرهونه
بقولي وفعلي ما استطعت لأُجنبُ

يشيرون بالأيدي إليَّ وقولُهُمْ
ألا خاب هذا والمُشيرون أخيبُ

فطائفة ٌ قد أكفرتني بحبِّكم
وطائفة ٌقالوا مُسِيءٌ ومُذنِبُ

فما ساءني تكفيرُ هاتيكَ منهمُ
ولا عيبُ هاتيكَ التي هي أَعْيَبُ

والشاعر اللبناني ابراهيم المنذر صور حنو ورحمة الأم في قصيدة مؤثرة جدًا بعنوان ”قلب الأم“ [4] :

أغرى امرؤٌ يومًا غلامًا جاهلًا
بنقوده كيما ينال به الوطر

قال ائتني بفؤاد أُمِّك يا فتًى
ولك الدراهم والجواهر والدرر

فمضى وأغرز خنجرًا في صدرها
والقلب أخرجه وعاد على الأثر

لكنه من فرط سرعته هوى
فتدحرج القلب المعفر إذ عفر

ناداه قلب الأُّمِّ وهو معفر
ولدي حبيبي هل أصابك من ضرر

فكأن هذا الصوت رغم حنوه
غضب السماء به على الولد انهمر

ودرى فظيع خيانة لم يؤتها
أحدٌ سواه منذ تاريخ البشر

فارتد نحو القلب يغسله بما
أجرت دموع العين من سيل العبر

ويقول يا قلب انتقم مني ولا
تغفر فإنَّ جريمتي لا تغتفر

وإذا غفرت فَإنَّني أقضي انتحارًا
مثلما يغاث من قبلي انتحر

فاستل خنجره ليقتل نفسه
طعنًا فيبقى عبرة لمن اعتبر

ناداه قلب الأُمَّ كُفَّ يدًا ولا
تذبح فؤادي مرتين على الأثر

[1]  القصة رويت بعدة صيغ في كتب مختلفة، لكن كلام الأم مُتَّحد وبذات المضمون.

[2]  الكميت بن زيد بن خنيس الأسدي، أبو المستهل، من شعراء الشيعة، ويعرف ب ”شاعر الهاشميين“. وينتهي نسبه إلى مُضَر بن نزار بن عدنان. وهو من شعراء الكوفة في القرن الأوّل الهجري. وشايع أهل البيت وأصبح شاعرهم الأول الذي يدافع عنهم ويرثي موتاهم وكان شاعرًا عظيمًا. وكان الكميت بن زيد من أعلم العرب بالأنساب ولذلك كانت القصيدة التي يقولها في هجاء أي أحد فضيحة مدويَّة للمهجو. أشهر شعره ”الهاشميات“ «مطبوع» وهي عدة قصائد في مدح الهاشميين والدفاع عنهم.

[3]  القياس هو: ”أَلُبٌّ“، لكن أظهر التضعيف ضرورة.

[4]  هو أبو صلاح، إبراهيم ميخائيل المنذر «7 يوليو 1857-25 أغسطس 1950»، من أسرة بني المعلوف المتحدرة من القبيلة الغسانيّة العربيّة المعروفة. وكان لأُسرته مكانة زمن الأمراء المعنيّين. هو علاّمة لغويّ، وشاعر، وصحفي، وسياسيّ مناضل، ونائب في البرلمان اللبنانيّ غير مرّة. وُلِد وتوفي في قرية المحيدثة في بلدة بكفيا، التابعة لقضاء المتن الشمالي في لبنان. له أكثر من مئة قصيدة بالشعر العربي الفصيح، وله ديوانان، «ديوان المنذر» وديوان «شعر»، وتُعد قصيدة ”قلب الأم“ إحدى أشهر قصائده، بل ومما قيل في حقِّ الأم.
تاروت - القطيف