آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

رسائل الأمس واليوم

تزاحمت الرسائل الإلكترونية في ذاكرةِ هاتفي المحمول، فشرعت في مسحِ ما ظننت أنه غير مهم منها، على عكس الرسائل الورقية التي لم أزل محتفظاً بها منذ أوائل الثمانينات.

كانت كتابة رسالة قبل عصر التقنية الإلكترونية الحديثة يحتاج إلى قلمِ حبر وأوراق مطرزة ومعطرة ومغلف جميل أنيق وأرطال من العواطف، ثم رحلة إلى مكتب البريد. وقد تطول المدة أياماً وأسابيع قبل أن تصل لوجهتها، وهكذا الرد يكون إن لم تتوه الرسالةُ بين ثنايا رحلتها العالمية ودكانة الحي التي تستلمها منها. جهد لم يتعرف عليه الأبناء والبنات الذين ولدوا بعد اندثار الرسائل الورقية!

صفحةٌ واحدة تكتب باليد على هَون وفي سَكِينة، وتقرأ كلمةً بعد أخرى، وتأخذ حيزاً من الخيال في رائحتها ولون أوراقها وحبرها ومعاني كلماتها. وأجمل ما فيها الإحساس بأنك تمسك بالورقة مثل الطائر بين يديك، تعيد قراءتها كلما عرضت لك الرغبةُ في استعادة الذكريات.

رسائل اليوم عبارة عن نبضة قلبٍ عابرة من حروف افتراضية فوق زجاجة مضيئة ينقرها الشخص في لحظةٍ واحدة دون عناء أو اعتناء، وتصل أبعد نقطة في الكون تقريباً في اللحظة ذاتها. والفارق بين رسالة الأمس واليوم قد يكون مؤشراً على الاختلاف بين إنسان الأمس الذي يفكر أن ما لم يحدث اليوم يمكن أن ينتظر ليومِ غد، فهو يستطيع الانتظار، وإنسان اليوم الذي يريد كلِّ شيء الآن وفي هذه اللحظة ولا يطيق الانتظار. فتراه لا يصبر على الزوج ولا يصبر على الوظيفة، ولا يصبر على إنهاءِ المهمات، وحتى في الشارع لا يمكنه أن ينتظر!

صراع الرسالة مع الزمن وهب لها سرعةَ الوصول والعملية والمتعة الفورية، وما عدا ذلك فهو ابتز منها العواطفَ والمشاعر وانتقاء الكلمات على أناة وانسياب المشاعر في خطِّ اليد؛ فهل تخيلت كيف تعامل المحبون القدامى مع الرسائل الورقية؟ والأهم من ذلك أنه سلب منها طول البقاء والعيش مع الإنسان.

لكل جيلٍ أدواته التي يعبر بها عن عواطفه؛ أما إذا سألتني عن الرسالة بين الأمس واليوم فأنا أحببتُ كثيراً ذلك النوع من الرسائل. أحببت مَلمسها ورائحتها وطعم كلماتها. أما رسائل اليوم فهي بعد مدة تغدو شبيهةً بالماءِ الآسن الذي فَسَد، وتغيَّر طعمًا ورائحةً ولونًا فلا يُشرب!

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد عبدالمحسن
[ الدمام ]: 24 / 10 / 2020م - 9:47 م
الرسائل الورقية في الزمن القديم والرسائل الإلكترونية في هذا الزمن محتواها متغير تبعاً للزمان والمكان ، وكذلك الأداة فهي متغيرة لتتماشى مع التطور المتسارع.
كأني بالجيل القديم وهو يعايش حالياً سهولة إرسال الرسائل إلكترونياً، يتحسر على ما أصابه من صدمات أثناء تلقيه الرسائل متأخرة قد تصل إلى أكثر من شهر، ومنها الرسائل العابرة لحدود الدول ..!!..
مستشار أعلى هندسة بترول