آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 7:11 م

الإدراك المعرفي واللغة

الدكتور أحمد فتح الله *

مقدمة

الإدراك يراد به القدرة على استقبال ومعالجة وتفسير المعلومات الآتية لحواسنا بطريقة نشيطة. هذه المعالجة المعرفية معقّدة لكنها تسمح لنا بتكوين العلاقة مع العالم الذي حولنا. لحسن الحظّ، هذه القدرة يمكن تقويتها وتحسينها بالتعلم والتدريب المعرفيّ. واللغة هي من أقوى الأدوات المتاحة للبشرية، حيث تمكننا من مشاركة المعلومات والثقافة والآراء والتكنولوجيا. يقول ستيوارت واتسون «Stuart Watson»، الباحث «ما بعد الدكتوراه» في قسم علوم اللغة المقارنة بجامعة زيورخ[1] : ”البحث في تطور اللغة أمر بالغ الأهمية إذا أردنا فهم أن تكون إنسانًا“. ومع ذلك، حتى الآن، تم إجراء القليل من الأبحاث حول كيفية ظهور نظام الاتصال الفريد هذا.

إدراك العلاقة بين الكلمات [2] 

أظهرت دراسة مؤخرًا في جامعة زيورخ أن البشر ليسوا الكائنات الوحيدة التي يمكنها التعرف على قواعد في تركيبات معقدة شبيهة باللغة - فالقردة «monkies» والقردة العليا «great apes» يمكنها القيام بذلك أيضًا. استخدم الباحثون في قسم علوم اللغة المقارنة في University of Zurich

سلسلة من التجارب القائمة على ”القواعد الاصطناعية“ «artificial grammar» لاستنتاج أن هذه القدرة يمكن إرجاعها إلى أسلافنا الرئيسيين القدامى «ancient primate ancestors».

قام فريق دولي بقيادة البروفيسور سايمون تاونسند «Professor Simon Townsend» في قسم علوم اللغة المقارنة بجامعة زيورخ بإلقاء ضوء جديد على الأصول التطورية للغة. تفحص دراستهم أحد أهم العناصر المعرفية «cognitive elements» اللازمة لمعالجة اللغة «language processing» - أي القدرة على فهم العلاقة بين الكلمات في العبارة، حتى لو كانت مفصولة بأجزاء أخرى من العبارة، أي غير متجاورة، والمعروفة في علم اللغة باسم ”الاعتماد غير المتجاور“ «non-adjacent dependency»، على سبيل المثال، نعلم أنه في الجملة ”الكلب الذي عض القط هرب“ الكلب هو الذي هرب، وليس القط، على الرغم من وجود عدة كلمات أخرى بين الجملتين. أظهرت مقارنة بين القرود والقردة والبشر الآن أن القدرة على تحديد مثل هذه التبعيات غير المجاورة من المحتمل أن تكون قد تطورت منذ فترة ترجع إلى 40 مليون سنة.

استخدم الباحثون نهجًا جديدًا في تجاربهم: لقد اخترعوا قواعد نحوية اصطناعية، حيث تتشكل التسلسلات من خلال الجمع بين إشارات صوتية المختلفة بدلاً من الكلمات. هذا مكن الباحثين من مقارنة قدرة ثلاثة أنواع مختلفة من الرئيسيات على معالجة التبعيات غير المجاورة، على الرغم من أنها لا تشترك في نفس نظام الاتصال. أجريت التجارب على القرد، قرد موطنه البرازيل، «في جامعة زيورخ»، والشمبانزي «في جامعة تكساس» والبشر «في جامعة أوسنابروك».

في البدء، قام الباحثون بتعليم عينات الدراسة القواعد الاصطناعية في عدة جلسات تدريبية. تعلم أفراد العينات أن أصواتًا معينة تتبعها دائمًا أصوات محددة أخرى «على سبيل المثال، يتبع الصوت ”B“ الصوت ”A“ دائمًا»، حتى لو تم فصلها أحيانًا عن طريق إشارات صوتية أخرى، كأن يتم فصل ”A“ و”B“ بواسطة ”X“». هذه العملية تحاكي نمطًا في اللغة البشرية، حيث، نتوقع، مثلًا، أن يتبع اسم «مثل ”كلب“» فعل «مثل ”هرب“»، بغض النظر عن أي الأجزاء الأخرى في أشباه الجمل بينهما، مثل عبارة ”الذي عض القط“».

في التجارب الفعلية التي تلت التدريب، قام الباحثون بتشغيل مجموعات صوتية تنتهك القواعد التي تعلمها أفراد عينات الدراسة. في هذه الحالات، استجابت حيوانات القردة والشمبانزي بتغيير ملحوظ في السلوك؛ كانوا ينظرون إلى مكبر الصوت الذي يصدر الأصوات ضعف مدة نظرهم في حالة مجموعات الأصوات المألوفة. كان هذا مؤشرًا، عند الباحثين، على تفاجأ الحيوانات ب ”خطأ نحوي“. كما لاحظوا تردد الأشخاص «البشر» الخاضعين للاختبار، وقد تم سؤالهم مباشرة عما إذا كانوا يعتقدون أن تسلسل الصوت صحيح أم خاطئ.

خلاصة النتائج:

يقول بروفيسور تاونسند «Professor Townsend» أن تحليل النتائج يؤكد أن الأنواع الثلاثة «القرد والشمبانزي والإنسان» تشترك في القدرة اللغوية على معالجة التبعيات غير المجاورة. لذلك من المحتمل أن تكون هذه القدرة منتشرة على نطاق واسع بين الرئيسيات ”، ويضيف تاونسند:“ يشير هذا إلى أن هذا العنصر الحاسم للغة موجود بالفعل في أسلافنا الأحدث المشتركين مع هذه الأنواع"، حيث تكونت هذه المهارة المعرفية الحاسمة قبل تطور اللغة البشرية ذاتها «أي قبل ملايين السنين»، بمعنى، حسب أوجه التشابه الملحوظ بين القرود والشمبانزي والبشر، تطور اللغة سبقه تطور في الإدراك المعرفي، الضروري والمسهل «facilitator» للغة، وأصبحت العوامل المعرفية سمات موروثة «ancestral trait»، في هذه الكائنات. السؤال هو كيف تخصص الإنسان باللغة، دون هذه الكائنات الأخرى؟ هذا ما نتناوله في المقال القادم.

[1]  هو من من فريق الدراسة، انظر الفقرة التالية، وهامش رقم «2»

[2]  عنوان الدراسة ومصدرها
Non-adjacent dependency processing in monkeys، apes، and humans
By: Stuart K. Watson، Judith M. Burkart، Steven J. Schapiro، Susan P. Lambeth، Jutta L. Mueller، and Simon W. Townsend.
Science Advances 21 Oct 2020: Vol. 6، no. 43.
https://advances.sciencemag.org/content/6/43/eabb0725
تاروت - القطيف