آخر تحديث: 29 / 11 / 2020م - 11:31 م

الله والناس والحافي والغيبة الحلوة!

من النادر أن تقرأ سيرة بشر الحافي الذي سكن في بغداد في القرنِ الثاني للهجرة إلاَّ وتعرف أن بشر كان رجلاً ماجناً لاهياً قاطعاً للطريق، مشغولاً بآلاتِ اللهو والطرب والشراب، ثم تابَ على يد رجلٍ صالح توبةً يَضرب الناسُ بها الأمثال ”توبة بشر الحافي“!

لكني أكاد أجزم أن بشر لو كان حيًّا اليوم لقال: يا عالم، لا تقولوا في موتاكم إلا خيرا؛ لا تذكروا غوايتي ولا تذكروا توبتي ودعوني أشرب من أنهر الجنة الأربعة، فأنتم لستم أقل معصيةً مني! لكن الناس سوف يقولون له رأيناكَ تمارس الخطايا وفضحناك لأنك لم تستتر خلفَ الجدران! مع العلم أن بشر لم يصور نفسه في مقاطعَ بائسة وتافهة تدور أرجاءَ المعمورة ورحابها في ثوانٍ معدودات ويفتخر بها، بل على الأرجح أنه كان يمارس خطاياه مع ثلة من الناس قلَّت أو كثرت، ومع رقَّة الجدران عرف الناس ما خلفها.

أفلا يكون في فضيحة بشر الحافي، التائب من ذنبه، عظة وتذكير لمن قد تتغير مسيرةُ حياته يوماً ما ويرغب أن ينسى الناس ماضيه؟ طبعاً ليست مشكلة الخطائين والتوابين مع الله فهو ينسى الجرمَ والجريرة مرة واثنتان وألف ويحب كلَّ خلقه، لكنها مع الناس فهيهات أن ينسى الناس ما يرون وما يسمعون. إذاً، من الأرجح والأفضل ألا نريهم شيئاً أبدا، ومن غلبته نفسه فلتغلبه داخل الأسوار بعيداً عن الصوتِ والصورة.

هو الله يأمرنا أن نستتر عن عيون البشر إذا ابتلينا بالمعاصي ولا نفتخر؛ لأنها بعد موتنا سوف تكون من أنواعِ الغيبة الحلوة اللذيذة المحمودة - كان رحمه اللهُ عاصياً ثم تاب - مع أن الله قد محاها فهو عزَّ وجل يقول: ”إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَات“، وهو الذي إذا عمل العبد سيئةً قال المَلَك صاحب الحسنات لصاحب السيئات: لا تعجل عسى أن يتبعها بحسنةٍ تمحوها.

يذكر المؤرخون أنه كان لبشر الحافي أخوات ثلاث هنَّ: مخة، ومضغة، وزبدة، ويكتفون في ذكرهن بأنهن كلهن عابدات زاهدات مثله، وأشد ورعاً أيضا، وينقلون بضع حكايات عنهن. وأظن هذا الاختصار المفرط مردُّه تعطل الغيبة الحلوة عن العمل وعدم استطاعة الناس ممارستها!

مستشار أعلى هندسة بترول