آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 7:11 م

الدرس الباريسي

الدكتور توفيق السيف * صحيفة الشرق الأوسط

يبدو أن حادثة النحر الباريسية الشهيرة، تتحول بالتدريج إلى قضية ساخنة في الكثير من مجتمعات المسلمين، في شرق العالم وغربه. وللتذكير، فإننا نتحدث عن قيام مسلم من أصل شيشاني بنحر معلم في ضاحية كونفلان سان - أونورين، شمال غربي العاصمة الفرنسية، بعدما عرض على طلابه رسوماً كاريكاتورية للنبي محمد «صلى الله عليه وسلم» أثناء درس قيل إنه تناول حرية التعبير. وجرت الحادثة في منتصف سبتمبر «أيلول»، وكانت مناسبتها انعقاد المحكمة الخاصة بمهاجمي مجلة «شارلي إبدو» التي كانت قد نشرت الرسوم المذكورة في يناير «كانون الثاني» 2015.

ويبدو أن أنباء ذلك الدرس قد تفاعلت بين المهاجرين المسلمين، الذين اعتبروه إهانة لهم ولدينهم. ولا شك أن بعضهم قد تحدث عن ضرورة الانتقام و«تلقين المعلم درساً» يكون عبرة لغيره. ولعل هذا الشاب الشيشاني البالغ 18 عاماً، رأى نفسه مدعواً للقيام بما رآه دور البطل دفاعاً عن سيد الخلق.

نعرف أن الرئيس ماكرون ندد بما سماه «الإرهاب الإسلامي»، وأن الحكومة الفرنسية اتخذت موقفاً متشدداً، فأوقفت أشخاصاً عدة يشتبه في علاقتهم بالقاتل، كما أغلقت مسجداً وجمعيات تقول إنها تتبنى مواقف متطرفة. وقد نظمت جنازة رسمية للمعلم القتيل، وتم تكريمه والتأكيد على التزام الحكومة بحق الناس جميعاً في حرية التعبير، بما فيها الحق في نشر تلك الرسوم، التي اعتبرها المسلمون مثيرة للكراهية.

من المفهوم أن حادثاً مثل هذا سيؤدي إلى انقسام في المواقف، بين المسلمين من جهة والأوروبيين من جهة أخرى. سوف يتمسك الطرف الأول بحجة أن المس بالمقدسات، لا تحميه القوانين الضامنة لحرية التعبير؛ لأنه يثير البغضاء ويضر بالسلام الاجتماعي. ولعلهم يقارنونه بالقوانين التي تحرّم معادة السامية أو تبجيل النازية مثلاً، والتي وضعت على الأرضية نفسها.

في المقابل، سوف يتمسك الأوروبيون بأن إبداء الرأي في المقدسات الدينية جزء من حرية التعبير، وأن اعتبارها مثيرة للبغضاء فرع عن شعور إرادي، يتوجب على المسلمين التحرر منه؛ لأنهم لا يستطيعون العيش في كانتونات ثقافية مغلقة، بينما يتسارع الانفتاح في العالم وتتواصل الثقافات والهويات. كما سيقولون بطبيعة الحال إن معاقبة المجرم يجب أن تمر من خلال الأطر القانونية، أي الشكوى للقضاء أو البرلمان، وليس بحمل السكين ونحر المذنب وسط الشارع. ولو قبل المجتمع بهذا العلاج، لما أمن أحد على حياته أو أملاكه.

إنني أتفهم كلا الرأيين، كلٌ من زاوية وإلى حد. لكني أود إضافة نقطتين أخريين، تتعلق أولاهما باندماج المسلمين الذين استوطنوا أوروبا بشكل نهائي. فهل يريدون البقاء على حاشية المجتمع الأوروبي، أم يسعون لكي يكونوا جزءاً مؤثراً فيه؟ إن هذا يرتبط جوهرياً بتقبلهم قيم هذا المجتمع وأعرافه، وبعضها عسير، لكنه ضروري إن أرادوا الاندماج.

أما النقطة الأخرى، فتتعلق بموقف المسلمين ككل، من أشكال النقد المختلفة، التي تأتي من وسطهم أو من خارجهم. إلى أي حد نتقبل النقد والسخرية والنقض، مع تأكيدنا على حقنا في الرد والمعارضة؟ وكيف نفكر في إشكالات العلاقة مع الذين يعارضوننا في الأسس والجوهر وليس فقط في الرأي، كحال الذين يسخرون منا بدون أن يقاتلونا أو يخرجونا من ديارنا؟

هل نضع المقاتل بالدبابة، مع الساخر بالريشة أو القلم على قدم المساواة؟

أظن أننا كمسلمين في حاجة ماسة إلى النقاش في هذا، كما أن مسلمي أوروبا أحوج منا إلى التفكير في النقطة الأولى.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.