آخر تحديث: 28 / 11 / 2020م - 5:13 م

أسير في الكورونا

سلمان محمد العيد

أسير في الكورونا

أراني قد عثرت وما عثاري
بجيش الهم ينذر بانهياري

فلا وجع الفراق أعاد همّي
ولا ألم الغرام غزا دياري

فلم تعد الصبابة تعتريني
فأمواج الصبابة في انحسار

فكل العاشقين قضوا حيارى
فذا ”النهدي“ أنّ على ”نزار“

ومجنون العامرية لا أراه
سوى رجل تهاوى في اغترار

ومثلهم قوافل قد تردّت
وتاهت بين ظلمات البراري

ولو عرفوا معالم بعض دائي
لما صبروا وناحوا باعتصار

أراهم ينحبون لما دهاني
ولو حضروا لصاروا في احتضار

غزاني هامسا شيئا فشيئا
كمثل اللص يعبث في سوار

بدا شيئا خفيا لم أخله
وجرجرني إلى غدر البحار

وأغرقني مع البلوى ببحر
ليغمرني بموج من جمار

تمكّن دون إنذار وقول
وصار معربدا في وسط داري

وقد جلب الخراب بدون حرب
وقد شاع الدخان بلا استعار

غزاني زائر الأسحار جورا
يعانقني بشيء من شرار

وسخّرني وطال بسوء حالي
وأربقني بأغلال الحصار

وأسلمني إلى ”الكبسول“ طرا
بلا أمل الشفاء من الضرار

بلا أمل يعود ببعض أنسي
فأنسي قد تهاوى بانحدار

كأنّي مذ غدوت أسير نحس
أسير إلى رداي بلا قرار

دهتني علة ”الكوفيد“ خجلى
وصارت للعناء كمستشار

لئن غفلت وإن سكنت أراها
تعود ببعض أشكال الدوار

أخوض معاركا إذ لم يخضها
أشاوس في الوغى أو في الغبار

أقاوم بعض هجمات تداعت
على قلبي بدقات ضوار

تعاود هجمة بالجسم أخرى
وترغب أن أثوب إلى انتحار

وتنقل للدماغ ولا تبالي
بما يحوي الدماغ من الوقار

لتلبس جسمي المنهوك ثوبا
من الآلام مال إلى اصفرار

سواد الليل منى صار صبحا
ويغدو الصبح مثل ديجور بداري

فلا الليل البهيم غدا رفيقا
ولا الصبح الجميل غدا بجار

فلا صبحي تنفس لا وليلي
بدا رمز اللقى بين الخيار

وفي وقت الظهيرة لا أراني
سوى جسد تكوّم كالجدار

وإن حل العشاء يفيق منّي
رفيق آخر طالب ثار

طوال الوقت أبدو رهن ضعفي
وهذا الضعف ينذر بانهيار

تمنيني ليالي الحجر أحيا
أغادر للحياة على حذار

فآلاف من الآلام حلت
توازت والهموم على مسار

أرى عللا تتالتني تباعا
مدعمة بأسلحة كثار

فعيني خاطبت حزنا فؤادي
وقد أضحى اسيرا للعثار

تؤرق رقدتي الهجمات دوما
بدايتها بحالات الدوار

ليغزوني الوباء بلا ضمير
وكم هجم الوباء على ستاري

وقد كشفت جحافله عيوبي
أزاحت كل ما يخفي خماري

وقد زار العظام ضيوف سوء
تجاور بالأذى شعر العذار

فيا جيش البلاء علىّ أقصر
الا تعلو عن الجسد المثار

ويا بئس الحياة يعيث فيها
وباء قد دهانا باستتار

وقد خلع الوباء عليّ اسما
ورسّخ كل عجز باقتداري

إلى حبل النجاة غدوت أسعى
وضقت اليوم من طول الحصار

وكل جوانحي ضاقت ببعض
أراها قد كست عارا بعار

وبعض جوارحي تبكي بصمت
تسيل لها المحاجر بانهمار

وكم ألم تعدد ألف شكل
وكل أسى يروق إلى انتصار

أرى جسمي بدا ساحا لحرب
ولم تحسم معاركها الضواري

وآلام تصول بوسط روحي
لكم أصحو على ألم الشجار

أرى حس الصهيل أسى ينادي
ويدعو للمعارك باجترار

فكل جوانحي أنّت وناحت
وأعياها شعور الانكسار

فقد صار الشتاء كمثل صيف
وريح البرد يعصف باحترار

فلا نوحي أراح جموح ضري
ولا طول الكلام شفا ضراري

يخاطبني الأسى حينا وحينا
بكلمات تحيل إلى الدمار

من الأعياء رافقني صديق
يؤرق مهجتي ويزيد ناري

أنا كالطود لكن هدّ ركني
بفيروس تفشى في الديار

ومنّي قد بدت اشكال رعب
لمن حولي الكبار مع الصغار

أنا في الداء لم أعرف يميني
من الكفين فضلا عن يساري

غدوت أردد الكلمات هذرا
ولا أدري المقال من المرار

أقلّب راحتي خوفا وأبكي
فيا ألمي ويا ويحي وعاري

أراني تارة أصحو بهمي
وأرقد طالبا حسن العشار

"لأن أحمم فما حم اعتزامي
وإن أمرض فما مرض اصطباري"

”ولم أر في عيوب الناس عيبا“
كسقطتهم بأوحال الفخار

فهذى قدرة الجبّار فينا
فلله المشيئة في القرار