آخر تحديث: 18 / 4 / 2021م - 4:24 ص

بعضهم أساء له فلا نشوهه نحن ولا نخذله

الدكتور أحمد فتح الله *

يوم المولد النبوي الشريف، يوم عظيم يحتفل به أكثر المسلمين، سواءً كان في الثاني عشر من ربيع الأول أو السابع عشر منه، ويؤكد فضيلة الشيخ عبدالله المطلق المستشار بالديوان الملكي عضو هيئة كبار العلماء في تصريح له، نشرته «عكاظ» في 27/‏2/‏1435 هـ، قال فيه: «إن المحتفلين بالمولد النبوي ليسوا كلهم على خطأ»، [حيث] هناك منهم من يستغل هذه الفرصة للتعريف بالرسول صلى الله عليه [وآله] سلم ونقل الصحيح من أخباره وسيرته ومنهجه، بحكم أن الناس يستمعون فيها إلى سيرته أكثر من غيرها، واعتبر المطلق هذا من أفضل الأعمال، ومن انتهاز الفرص لإسماع الناس الخير».

وفي هذا العام يحل المولد الكريم وسط تأزم بين العالم الإسلامي والغرب، خاصة دولة فرنسا، بسبب رسوم اعتبرها المسلمون مسيئة للنبي محمد «صلوات الله وسلامه عليه»، وهم محقون. وهنا لابد من وقفة لتبيان بعض الحقائق:

- علمتنا السوابق أن هذه القضية ليست عفويَّة، وقد تحركها أيادٍ استخباراتية في ”لعبة صراع الأمم“، وهذه ليست استثناءً لمن يلاحظ ردة الفعل الرسميَّة لبعض الدول. أما تصريحات الرئيس الفرنسي ماكرون فهي داخلة في اللعبة السياسية الداخلية والخارجية، ويرد عليه المسؤولون السياسيون المسلمون، عربًا وغير عرب، فإن كان يعكس موقفًا رسميًّا للحكومة الفرنسية فالدول الإسلامية هي المعنية بالتعامل مع المسألة رسميًّا.

- في السيرة النبوية الشريفة أحداث تخبرنا أن النبي ﷺ لم يهدر دم شاتميه والمسيئين له شخصيًّا، رغم انفعال بعض الصحابة والطلب منه بقولهم ”دعني أضرب عنقه يا رسول الله“، أو عبارات مشابهة، وهو يرفض، وأحيانًا يردعهم. نعم، أهدر دم من عقر ناقة ابنته زينب وآذاها وأسقط حملها، وأهدر دم من كان يهجو النساء المسلمات، وكل ذلك كان في بداية ظهور الإسلام.

- الردة الشعبيَّة العاطفيَّة تهدأ بعد فترة ويعود كل شيء كما كان قبل. الدِّفاع عن نبي الرحمة ودين السلام لا يتم باقتحام كنيسةٍ، وقطع رؤوس المُصلّين فيها، فليس من أخلاق الرّسول وصحابته، وإرثه العظيم في الرّحمة والتّسامح، فقد نهى في الكثير من أحاديثه الشّريفة عن عدم التعرّض للمُصلّين الآمنين في كنائسهم، ودُور عِبادتهم أثناء الحرب، ناهِيك عن زمن السِّلم؛ ولنا قُدوةٌ بصاحبه وخليفته عمر بن الخطاب «رضي الله عنه» الذي رفض الصّلاة داخل كنيسة القيامة في القدس حتى لا تتحوّل صلاته هذه إلى ”سنَّةٍ“ للمُسلمين من بعده، لقداستها، واحترامًا لها ولأتباعها.

- ما هي الإيجابيات في ردود انفعاليَّة غير مدروسة ولا منضبطة؟ على العكس، ربما تحدث ردات فعل معاكسة لها تجلب خسائر دون أن نحصد فوائد منها إطلاقًا؛ فقد تكون مناسبة نستطيع تحويلها إلى صالح المسلمين والإسلام، الدين الذي عانى ﷺ في تبليغه ونشره.

ولقد انتشر في مواقع التواصل الشبكي «الفيسبوك وتويتر والواتساب» مقال لبشير العبيدي «تونسي/فرنسي» يعدد فيه الكثير من الخسائر في مقال بعنوان: ”خسائر المسلمين في فرنسا بسبب غزوة قطع رأس الأستاذ“ [1] :

1 - نجحت هذه الغزوة - بامتياز - في إخراج ألوف الألوف من الفرنسيين إلى الشوارع تنديدًا وشجبًا وغضبًا ضد الإسلام والمسلمين في فرنسا والعالم. ومنذ ثلاثين سنة من حياتي في فرنسا ما رأيت الفرنسيين في مثل غضبهم اليوم. وهي مجرد بداية. ومن كان لا يعرف صور شارلي هبدو الساخرة، وهي رسوم رديئة وبذيئة ولا قيمة لها ولم يكن يعرفها الفرنسيون، صار يعرفها سكان كوكب الأرض.

2 - أقدمت السلطات الفرنسية على غلق عديد المدارس والجمعيات والمراكز والمساجد، حيث تعلّم فيها ويتعلّم عشرات الألوف من أبناء المسلمين، اللغة العربية والقرآن الكريم. وهي مجرد بداية. كما ساهمت ”الجريمة“ في انقلاب الرأي العام في اتجاه مزيد التطرف.

3 - فقد عدد كبير من المعلمين والمعلمات وظائفهم، وفيهم نسبة كبيرة يعيلون أسرهم في المغرب الكبير وأفريقيا وغيرها من البلدان.

4 - ضيقت السلطات الخناق على الجمعيات بأنواعها، وبدأت في حملة مراقبة غير مسبوقة لحساباتها، ومنع الأموال والتبرعات أو التحجير عليها، ومنع فتح حسابات مصرفية أصلًا، وهي مجرد بداية.

5 - قرّرت وزارة التعليم الفرنسية طباعة كتاب فيه جميع الصور والرسوم الساخرة التي سببت احتجاج المسلمين، وجميع أطفال فرنسا سيطلعون على تلك الرسوم على الورق هذا العام والأعوام التي تلي، إضافة لكونها أصلا متاحة في الشبكة. عدد التلاميذ الذين رأوا الرسوم الساخرة من طرف الأستاذ المقطوع رأسه: 20 تلميذًا. بعد غزوة قطع رأس الأستاذ: إثنا عشر مليون طفل فرنسي «12,000,000» ”سيجبرون“ على رؤية الرسوم الساخرة وتكون لهم الكتب المخصصة لذلك في رفوف مكتباتهم، فيها جميع الرسوم الساخرة بأنواعها.

6 - زادت السلطات الفرنسية من مشاريع القوانين الصارمة التي لم تكون ضمن المشروع الأولي، ولم يعد هنالك من يستطيع الاعتراض بعد شناعة الجريمة المرتكبة ضد الأستاذ الذي تم قطع رأسه.

7 - وأخطر نتيجة لهذا الفعل الشنيع لم أذكرها بعد: الذي أقدم على قطع رأس الأستاذ، قطع معه شيئًا لم يكن في الحسبان في فرنسا: الآن ممنوع الاحتجاج على الرسوم الساخرة، ومن يفتح [فمه] في هذا الموضوع، يكون الرد حاسمًا و [مباشرًا].

وتساءل الأستاذ العبيدي: ”كيف يعقل هذا، بينما صحفيّ فرنسيّ، وهو جالس يدخّن حشيش القنّب في مقهى باريسي، ويحتسي كوبا من الويسكي، وفي يده ريشة يخربش بها على ورقة قذرة، استطاع أن يفرض على المسلمين الخروج في مظاهرات صاخبة قتل فيها وجرح الألوف منذ سنوات وتخريب المجتمعات، بجرة قلم، بينما لم تخرج هذه الجموع لأجل عرض النبيّ وأتباعه من الأيغور تطحنهم الصين، وأتباع النبي الروهنغا يحرقهم البوذيون، والقدس تضيع مع التطبيع المخجل، ومئات الألوف من أتباع النبيّ في الجوع والعراء والقتل في اليمن وسوريا وأفغانستان وغيرها من البلاد؟ أليس هذه هي الصورة الساخرة التي ضحك بها علينا صحفيّ فرنسي مخمور؟“

ويضيف العبيدي: ”إن أقوى سلاح في الوجود ضد الرّداءة هو سلاح اللامبالاة وهذا ما فعله اليهود الذين تنشر الصحيفة الفرنسية عن زعاماتهم وأنبيائهم الرسوم كل أسبوع بنفس الشكل البذيء. وهذا ما يفعله النصارى الذين تنشر نفس الصحيفة في كل أسبوع رسومًا تدعي تعرية مؤخرات البابوات ورسلهم. وهي لا تعرّي سوى «الخرء» الذي في أدمغة رساميها“.

التعامل الأنسب في مثل هذه القضية

كثيرة هي الطرق التي يمكن أن تعبر عن رفضنا كمسلمين وبقوة عن الإساءة لنبينا ولديننا، في هذا الزمان، المظاهرات السلمية، المقاطعات الاقتصادية، الشكاوى القانونية في المحاكم، نشر المقالات البوسترات في كبريات الصحف ووسائل الإعلام، وإن كانت مدفوعة الثمن، وإنتاج وتمويل أفلام قصيرة وأفلام كرتونية للأطفال، بعدة لغات. لكن أرى هناك وسيلتان مهمتان لا يجب أن نغفلهما:

أولًا: أن يكون المسلمون محمديين سلوكًا ورؤيةً. وهنا تحضرني قصة الشاعرِ المسيحي دينًا، ومحمدي الهوى.

في تاريخ 23 أبريل 2017م، روى الشاعر العراقي المعروف أحمد مطر علي صفحته في ”الفيسبوك“ القصة التالية:

دُعي الشاعر اللبناني المسيحي المهاجر رشيد سليم الخوري، الملقب «بالشاعرِ القَرَوِيّ»، إلى حفل بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف أُقيم في مدينة «سان باولو» وطُلب منه أن يُلقي كلمة... فقال:

أيّها المسلمون.! أيها العرب.! يولد النبيُّ على ألسنتكم كلَّ عام مرةً، ويموت في قلوبكم.. وعقولكم.. وأفعالكم كلَّ يوم ألفَ مرةٍ، ولو ولد في أرواحكم لولدتم معه، ولكان كلُّ واحد منكم محمّدًا صغيرًا. ولكان العالَمُ منذ ألفِ سنةٍ أندلساً عظيماً... وللتقى الشرقُ بالغرب من زمن طويل... ولَعَقَدت المادّةُ الغربية.. مع روح الشرق المسلم حلفاً... ولمشى العقلُ والقلبُ يدًا بيد... إلى آخر مراحل الحياةأيّها المسلمون! يَنْسِبُ أعداؤكم إلى دينكم كلَّ فِرْية... ودينُكم من بُهْتانهم براء... ولكنّكم أنتم تُصدِّقون الفِرْية بأعمالكم... وتقرُّونها بإهمالكم..

دينُكم دينُ العِلْم... وأنتم الجاهلون..

دينُكم دينُ التيسير.. وأنتم المعسِّرون.

دينُكم دينُ الحُسْنَى وأنتم المنفِّرون..

دينُكم دينُ النصر، ولكنّكم متخاذلون..

دينُكم دينُ الزكاة، ولكنّكم تبخلون..

يا محمدُ.! يا نبيَّ اللهِ حقًا... يا فيلسوفَ الفلاسفةِ.. وسلطانَ البلغاء.. ويا مَجْدَ العرب والإنسانية... إنّك لم تقتل الروحَ بشهواتِ الجسد.. ولم تحتقر الجسدَ تعظيماً للروح...

فدينُك دينُ الفِطْرةِ السليمة.. وإنّي موقِنٌ أنّ الإنسانيّة بعد أن يئست من كلِّ فلسفاتِها وعلومِها، وقنطت من مذاهب الحكماء جميعًا؛ سوف لا تجد مخرجاً من مأزقِها وراحةِ روحِها.. وصلاحِ أمرِها إلاّ بالارتماء بأحضان الإسلام.. عندئذٍ يحقّ للبشريّة في مثل هذا اليوم أن تَرفع رأسَها وتهتِفَ ملءَ صدورها، وبأعلى صوتها...

ثمّ أنشد قائلاً:

عِيدُ البَرِيَّةِ عِيدُ المَوْلِدِ النَّبَوِيّ....فِي المَشْرِقَيْنِ لَهُ وَالمَغْرِبَيْنِ دَوِيّ

عِيدُ النَّبِيّ ابنِ عَبْدِ اللهِ مَنْ طلعَتْ....شَمْسُ الهِدَايَةِ مِنْ قُرْآنِهِ العلويّ

يَا فَاتِحَ الأَرْضِ مَيْدَانًا لِدَوْلَتِهِ....صَارَتْ بِلادُكَ مَيْدَانًا لِكُلِّ قَوِيّ

يَا حَبَّذَا عَهْد بَغْدَادٍ وَأَنْدَلُسٍ....عَهْدٌ بِرُوحِي أُفَدِّي عَوْدَهُ وَذَوِيّ

مَنْ كَانَ فِي ريْبَةٍ مِنْ ضَخْمِ دَوْلَتِهِ....فَلْيَتْلُ مَا فِي تَوَارِيخِ الشُّعُوبِ رُوِي

يَا قَوْمُ هَذا مَسِيحِيٌّ يُذَكِّرُكُمْ....لا يُنْهِضُ الشَّرْقَ إلاّ حُبُّنَا الأخَوِيّ

فَإنْ ذَكَرْتُمْ رَسُولَ اللهِ تكرِمَةً....فَبَلِّغُوهُ سَلامَ الشَّاعِرِ القَرَوِيّ..

ثانيًّا: قيل ”بدل لعن الظلام أشعل شمعة“، فلنشعل شموعًا فكريَّة تبين للجاهلين والغافلين عظمة هذا ”النبي الإنسان“. هذا ما فعله الشيخ بنيامين إدريس الذي يترأس منتدى الإسلام بمدينة ميونيخ عاصمة ولاية بافاريا الألمانية الجنوبية، وهو إمام المسجد الشفاف في برلين بألمانيا.

لقد ألف الشيخ إدريس كتاب بعنوان ”نبي يتحدث للعالم“ يعرّف بشخصية الرسول الكريم من خلال أحاديثه وحكمه، وقد حقق الكتاب معدلات انتشار لافتة بين المسلمين وغير المسلمين بسوق النشر الألمانية.

وأوضح المؤلف أن كتابه جاء ”ردًا“ على محاضرة ألقاها البابا السابق بينديكت السادس عشر «جوزيف راتسينغر» بجامعة ريغنسبورغ الواقعة بمسقط رأسه بولاية بافاريا عام 2006، وتحدث فيها عن علاقة العقل بالدين، وتعرض لموضوع آيات القتال بالقرآن الكريم، مستشهدًا بنص تاريخي لحوار دار بين الإمبراطور البيزنطي مانويل الثاني وأحد المفكرين الفرس.

وبين الشيخ إدريس أن كتابه يؤسس لرد حقيقي على سؤال الإمبراطور الذي كرره بينديكت بمحاضرته ”قل لي ماذا أتى به محمد إلا الشر؟“، ويفند من خلال أحاديث نبويَّة مختارة النظرة الغربية التاريخية السلبية تجاه الرسول الكريم.

ويعرض كتاب ”نبي يتحدث إلى العالم“ مئة حديث نبوي تتعلق موضوعاتها بالحياة العامة والقيم الأخلاقية موجهة للقراء دون تمييز، وتتناول هذه الأحاديث موضوعات مختارة تشمل التسامح مع الآخر وحقوق المرأة والحفاظ على البيئة وحقوق الحيوان وإتقان العمل ونبذ العنف والكراهية والتطرف والدعوة للتحاب والسلام.

إن هذا الكتاب الذي وجد صدًى واسعًا بين الجمهور الألماني من عامة القراء ومن شخصيات معروفة ليس فقط يسد نقصًا كبيرًا في سوق النشر الألمانية بترجمة الأحاديث النبوية، بل يعزز ثقافة المعرفة الصحيحة، والإسهام بالتعريف بالرسول من خلال أحاديثه كشخصية محوريَّة لعبت دورًا كبيرًا ببناء مجتمع مسالم مثّل القدوة بنشر الاحترام المتبادل والتسامح بين المسلمين وغير المسلمين.

وقال إدريس إنه يرد من خلال الأحاديث النبويَّة على اتهامات غربية وجهت عبر التاريخ لمقامه الشريف، ومن بينها ما ورد على لسان إمبراطور بيزنطي وكرره البابا السابق بينديكت عام 2006 في خطاب له تسبب باحتجاجات واسعة بدول إسلامية ودفعه للاعتذار.

وقد قام المؤلف بإهداء نسختين من الكتاب إلى بابا الفاتيكان الحالي فرانشيسكو وسلفه بينديكت السادس عشر الذين ثمنا في رسالتين لمؤلف الكتاب سعيه لتصحيح الصور السلبيَّة السائدة عن الإسلام، وشكراه على

ما تضمنه كتابه، ”الذي دخل مكتبة الفاتيكان“، من تصحيح الأفكار الخاطئة والسائدة عن الإسلام ورسوله، وعلى سعي الإمام إدريس لمد جسور من الاحترام المتبادل بين الإسلام والمسيحية. [2] 

وفي الختام... أُهَنِّئ الأمة الإسلاميَّة والبشريَّة قاطبة بمناسبة ميلاد الرحمة ونور الهدى، وأسأل الله أن يهدي الناس في كل مكان لبركتها لتكون حقًا مباركةً فيعم الخير والسَّلام في العالم.

الهوامش

[1]  انظر: صحيفة ”مشوار“ «Meshwar» الالكترونية العربية في كندا، العدد 268، في 30 أكتوبر 2020، ص: 19. «www.meshwarmedia.com»

[2]  انظر: ”كتاب في الفاتيكان لتصحيح النظرة عن النبي محمد“، الخليج أونلاين، الخميس، 05-07-2018م.

ثقافة-وفن/كتاب-في-الفاتيكان-لتصحيح-النظرة-عن-النبي-محمد/https://alkhaleejonline.net
تاروت - القطيف