آخر تحديث: 20 / 1 / 2021م - 9:51 ص

تجارب الطلاب وتجاوز المخاوف

حسن المصطفى * صحيفة الرياض

التخفف من التعقيد، دون الإخلال بالفكرة، يجعل الناس تستأنس بما يكتب، وتتفاعل مع ما يطرح من أفكار.

الصديقان منصور المرهون، وهود اليتيم، حفزا ذاكرتي المثقوبة، التي أضحت مثل ”فرُوجِ الأصابعِ“، فكأنما الحكايا قطرات ماء تتسرب من بين يدي، دون أن أشعر بها، وأحياناً كأنها لم تكن.

مقال ”نقاشات الحافلة الجامعية“، هو محاولة للقبض على الندى، العودة إلى منبع التحولات الأولى، والنقاشات الباكرة، العام 1993، حين أتينا خِفافاً في تجاربنا إلى عاصمة يقصدها الناس من مختلف مدن وقرى السعودية.

في تلك الحافلة، من القصص التي ذكرني بها أبو سعيد، تلك الوريقات التي وزعت، عن الحجاب، وأهميته في حياة المرأة، والفرق بين الحجاب الشرعي الحقيقي، والآخر المزيف!

لم تكن تلك ”المنشورات“ إلا وجهة نظر فقهية، أقرب للتشدد والمحافظة، منها لبقية الآراء الأخرى، حيث كانت تنتصر لنموذج محدد، تعتبره ”عفيفاً“، فيما يخالفه ضربٌ من ”الميوعة“ أو ”عدم الحشمة“.

هذا التحديد للأفكار والمفاهيم، وجعلها أنماطاً معلبة، هو انعكاس طبيعي لما كان عليه المجتمع، ليس في المنطقة الشرقية وحدها، بل مختلف هجر ومدن المملكة، فالرؤية الدينية المحافظة، والقراءة المتشددة للدين، خلقت أنماط تدين متشابهة، وإن اختلفت طائفياً أو مذهبياً، إلا أنها تتقاطع في كثير من النقاط، وأحياناً تمارس تشدداً مضاداً من أجل حماية ما تعتبره ”هوية“ ذاتية، تخشى عليها من الاندثار، أو الميوعة أمام سيلِ وحشدِ الثقافة الأقوى.

بطبيعة الحال، لم يكن المجتمع السعودي بكله متشدداً، أو محافظاً بالمعنى السلبي، إلا أن دائرة الاختيار حينها كانت ضيقة، وهامش المناورة ليس بالواسع، والخوف من الخروج على نهج الجماعة أو القبيلة أو الطائفة، يدفع حتى أصحاب الأفكار الحرة للانكفاء، خوفاً من العواقب.

من حكايا الحافلة الجامعية الجميلة، ما رواه أبو صالح، أنه وحين يختلف الركاب حول ماهية الفيلم أو المسلسل الذي يشاهد، بين مؤيد ومعارض، يكون الحل سريعاً، عبر ”درب الزلق“، ذلك المسلسل الكويتي الأثير، العابر للأجيال، والذي يكون محل إجماع المختلفين.

كان البحث عن دائرة ”المشترك“ أمراً ممكناً، وموجوداً، لكن كثيرين لم يكونوا يرونه ماثلاً أمامهم، لاعتقادهم بغلبة التباينات، أو القلق من كسر الدائرة المعتادة، أو أنه دربٌ زلِقٌ يخشونه! لذلك؛ تجد في بهو الجامعة، الطلاب مزدحمين، يتضاحكون، يتناقشون، تدور بينهم أقداح الشاي والقهوة، إلا أن أغلبهم يجلس في زوايا وأماكن تجمعهم مع المتشابه، مذهبياً، مناطقياً، قبلياً.

هل كان الطلاب كارهين بعضهم بعضاً؟ أجزم أن الجواب لا. إنما، هم مرآة للخطاب والسلوك المجتمعي الذي كان يوجه، سواء عبر الدعاة أو الشخصيات المؤثرة في المدينة والقرية والعشيرة. طالما بُنيت علاقات احترام بين كثير من الطلاب، من مناطق عدة، فور ما يتجاوزون المخاوف، ويجلسون مع بعضهم، ويدركون أنهم سعوديون وفقط، ليس عليهم أن يتوجسوا من الاختلاف، بل أن يؤسسوا على المشتركات الكبرى، التي قاعدتها ”المواطنة الشاملة“ والاحترام والعدالة