آخر تحديث: 20 / 4 / 2021م - 5:11 ص

أعظم به نبيا (ص)

‫قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ ويُزَكِّيهِمْ ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ والْحِكْمَةَ وإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴿الجمعة الآية 2.

تشير الآية الكريمة إلى جانب مهم - وبشكل ملخص - عن حدث عظيم غير مجرى التاريخ، وأخذ بالبشرية نحو انبعاث ونهوض غير مسبوق على المستوى الفكري والقيمي والاجتماعي، فالرسالة المحمدية لطف إلهي يعزز حركة العقول الباحثة عن حقائق التوحيد والكون والوجود والدور الوظيفي في الحياة، فمسألة التعرف على الخالق العظيم ليست بالمهمة الغامضة أو بالتي تكتنفها الكثير من العقبات على مستوى القناعة الفكرية بها، ولكنها الشبهات الإلحادية والسقطات الأخلاقية هي ما يدفع المرء نحو إنكار أوضح الواضحات والحقائق الناصعة، ولكن اللطف الإلهي بالعباد يحضر بقوة في طريق هداية العباد والدفع بهم نحو رؤية بصيرية، متآزرة مع عقل ناضج رشيد يدرك بدهية حقيقة القوة المحركة للكون والمدبرة لشئونه، بما يتوافق معه في هذه القناعة السهلة حتى غير المتعلم من جهة حركة النظام في مفاصل الكون من حولنا وفي حياتنا، ولكن مسألة التوحيد تصبح في صلب مهام الأنبياء ومنهم النبي الأكرم ﷺ كعون ورحمة إلهية، والذي ساق بواسطة الوحي الإلهي وفي كتاب الله المجيد من الآيات الكريمة ما يرشد نحو البراهين الدالة على معرفة خالق الكون.

ومن هذا الداعي إلى الهدى والحق المبين وما موقعيته بين الناس والتي تؤهله للإصلاح والتغيير؟

جوانب العظمة والرقي والسمو الأخلاقي التي كان لها الدور الأهم في هداية الناس وإرشادهم هي ما كان يمتلكه الرسول الأكرم ﷺ من خلق رفيع صنع له مقبولية ومحبوبية وجاذبية في قلوب الناس، وما كان يمتلكه ﷺ من همة عالية في ميدان التغيير والإصلاح حتى قشعت سحائب الجهل والانحطاط الأخلاقي والتنمر والعدوان الاجتماعي السائد، فدعا الناس إلى تحكيم العقل في بناء العقائد الحقة من خلال البراهين والأدلة الناصعة، كما بنى عالم المعرفة من خلال بيان التعاليم الإلهية والمفاهيم القرآنية الداعية إلى طهارة النفس والاستقامة على الحق، فقد أوجز ﷺ الهدف الأسمى من رسالته بإتمام مكارم الأخلاق، فالتدين الحقيقي ليس بطقوس وعبادات بالمفهوم الخاص، وإنما مفهومها يشمل كل جوانب حياة الإنسان وتتحرك معه في كل أحاديثه وسلوكياته وتعامله مع الآخرين، فيبرز من المؤمن السائر على النهج المحمدي كل علائم الفضيلة الخلقية.

وعظمة رسول الله ﷺ تتجلى أيضا بتلك السعة في الرحمة والرأفة بالمؤمنين والحرص على هدايتهم وإرشادهم لكل سبيل في طريق القرب الإلهي، كما أنه شق طريق القوة والاقتدار للسائرين على نهجه من خلال مسيرته الملازمة للصبر وتحمل المشاق والسير الحثيث نحو الغايات العالية دون اكتراث أو ضعف أمام العقبات الكؤودة التي لا تخلو منها أي مرحلة من مراحل الحياة.

وعظمة رسول الله ﷺ تتجلى في بنائه لذاك المجتمع المترابط والمتلاحم على أساس التقوى والتكافل والتعاون والحب، فقد غرس ﷺ المحبة بين أفراد المجتمع وحذرهم من كل تصرف ينبت المشاعر السلبية تجاه الغير قولا أو فعلا، فقد قاد عملية بناء العلاقات المجتمعية بما يحقق مصالح الجميع واحترام الخصوصيات، ونهى عن كل عوامل الفساد والظلم والتجاوز على حقوق الآخرين المعنوية والمادية، وأبعدهم عن شبح التطرف والعنصرية وتقسيم المجتمع، فجعل - بحسب الرؤية القرآنية - معيار التفاضل هو التقوى والعمل الصالح، بما يحقق المساواة بينهم من الجهات العرقية وغيرها.

لقد استطاع هذا النبي العظيم ﷺ - وخلال فترة قصيرة - أن يحدث تغييرا في النفوس والعقائدية والبنية الأخلاقية والاجتماعية، فقد عبرت الآية الكريمة عن وضع الناس في عصر الجاهلية بالضلال على كافة المستويات الحياتية، وإذا بهم يستضيئون بنور وهدي محمد ﷺ فيتمسكون بالفكر الواعي والقيم الأخلاقية، وبنى الوجه الإنساني والحضاري المجتمعي على أساس احترام حقوق الآخرين وترسية علاقات الأفراد على عوامل التقدير وتجنب كافة أشكال الإساءة والتجريح والعدوان.