آخر تحديث: 22 / 4 / 2021م - 4:38 ص

المنتديات الأهلية رافد مهم للحياة الثقافية «منتدى الثلاثاء الثقافي مثالا»

الدكتور توفيق السيف *

يسرني بمناسبة مرور عشرين عاما على تأسيس منتدى الثلاثاء الثقافي أن أحيي القائمين عليه متمنيا لهم المزيد من التوفيق والنجاح.

تمثل المنتديات الثقافية الأهلية رافدا هاما للنشاط الثقافي في المملكة، ولعل أبرز ما يميزها هو: كونها أهلية تطوعية، انتظامها طوال العام، أسبوعية أو شهرية، اعتمادها على الجدل والحوار الشفهي الحر كبديل عن المحاضرات التوجيهية.

يبدو الجهاز الرسمي المهتم بالثقافة كبير الحجم نسبيا، لكن تبقى للنشاط الأهلي ميزة التنوع في الطروحات والآراء، وكونها نافذة لتوجهات لا تتسع لها قنوات الثقافة الرسمية. وقد حازت المنتديات الأهلية على اهتمام رسمي، كان من أبرز تجلياته تكريمها من جانب وزير الثقافة والاعلام الدكتور عبد العزيز خوجة في معرض الكتاب الدولي بالرياض «مارس 2010م». وقد وفقت الوزارة في اختيارها لنماذج مضيئة، من بينها منتدى الدكتور راشد المبارك، الذي عرف بتنوعه وثرائه العلمي «تأسس في 1981م»، ومنتدى الثلاثاء الثقافي، وهو الأشهر في المنطقة الشرقية والأكثر تعبيرا عن تنوعها وغناها الثقافي «تأسس في 2000م»، ومنتدى الشيخ عبد المقصود خوجة المشهور باسم ”الاثنينية“ الذي أضاف إلى الجدل الثقافي بدعا كثيرة طيبة، مثل تكريم أهل الفكر وطباعة كتبهم، وشكل لسنوات طويلة وجها مشرقا لبلدنا في داخلها وفي الخارج «تأسس في 1982م».

ثمة عشرات من المنتديات الثقافية الأهلية في طول المملكة وعرضها، بعضهم منتظم دون انقطاع وبعضها غير منتظم. لكني لاحظت أن معظمها غير مستقر بسبب عدم وجود إطار قانوني لمثل هذا النوع من النشاطات، وضيق أفق بعض الناس في هذا الجهاز أو ذاك، وارتيابهم في هذه الممارسات الثقافية المستقلة. إن تلك المنتديات، في مختلف أشكالها، روافد غنية للحراك الثقافي وإنتاج الأفكار أو نقدها، ولنا امل في أن تبادر مؤسسات الثقافة الرسمية أو شبه الرسمية، لا سيما وزارة الثقافة والنوادي الأدبية إلى دعم فكرة الإقرار الرسمي بهذه المنتديات وتغطيتها قانونيا، مما يمكنها من الاستمرار والعطاء. إن عدم انتظام المنتديات الثقافية، أيا كانت مبرراته، يقلل من أهمية الغاية التي قامت لأجلها، أي إغناء الحياة الثقافية في المجتمع. لن يكون لدينا حياة ثقافية نشطة ما لم تتحول الثقافة إلى عمل مستمر، منتظم، ومتزايد.

ثمة آلاف من الناس يرغبون في تطوير معارفهم، وثمة عشرات يشعرون بأن لديهم شيئا يستحق أن يقال، ونشعر جميعا بأن هناك العديد من الأفكار الجديدة التي تستحق أن تطرح للنقاش. هذه الحاجات لا تجد فرصتها إلا بوجود إطارات نشطة، فعالة، ومنتظمة، يرجع إليها كل صاحب فكرة وكل باحث عن فكرة.

إذا أردنا أن نتحول من مستهلكين لأفكار الآخرين وعلومهم إلى منتجين أو مشاركين في إنتاج العلم، فإن أول الطريق هو الإقرار بحرية التعبير والجدل لأنفسنا ولغيرنا. الإقرار بحرية التعبير هو الطريق إلى تحرير الفكر والعقل. لا يمكن للعقل أن يتحرر وينطلق ما لم يجد أمامه قنوات للتعبير عما ينتجه من أفكار.

نحن لا نحتاج إلى التوجيه والإرشاد والوعظ بقدر حاجتنا إلى النقاشات الحرة ومضاربة الأقوال والآراء. إحياء الثقافة لا ينتظر المواعظ والتوجيهات بل ينتظر الجدل الحر حتى لو بدا عسيرا في أول الأمر. لهذا السبب فإني آمل أن تحافظ المنتديات الأهلية على هذه الميزة الغالية وأن تتوسع فيها. فبها وبالاعتماد عليها تزدهر الثقافة ومن دونها تتحول إلى كلام مكرور، يقال بأشكال شتى وفي صيغ منمقة، مثل سجين يدور طوال يومه في زنزانة صغيرة، يقطع عشرات الأميال لكنه يبقى ملتصقا في النقطة التي انطلق منها.

باحث ومفكر عربي من المملكة العربية السعودية.