آخر تحديث: 16 / 1 / 2021م - 7:13 م

فيلمان ألمانيان والفكر الشمولي

محمد الحرز * صحيفة اليوم

خلال الأسبوع الماضي شاهدت فيلمين ألمانيين عبر صفحة الصديق الناقد السينمائي هادي ياسين على الفيسبوك، وهما من إنتاج 2019. الأول بعنوان «حياة خفية» A hidden life للمخرج الأمريكي تيرنس ماليك الحائز على جائزة السعفة الذهبية عن فيلمه «the tree of life» من بطولة براد بيت عام 2011.

الفيلم مبني على أحداث قصة حقيقية، حول فلاح نمساوي اسمه فرانز ياجيرشتاتر يعيش وزوجته وبناته الثلاث في قرية «رايغوند» الهادئة بالريف النمساوي الخلابة والمطلة على جبال الألب، حيث يستدعى للالتحاق بالجيش النازي أثناء الحرب العالمية الثانية، وكانت في بدايتها 1939 بعد ضم الجيش النازي النمسا قبلها بعام. لكنه يرفض قسم الولاء لهتلر، وبعناد ذهنية مزارع يرفض كل الضغوط، التي يواجهها للتخلي عن رفضه، من سجن وتعذيب ونبذ من أهل القرية، الذين يرون فيه خائنا لوطنه، وبسببه جلب العار لأهل قريته الوادعة والآلام والشقاء لزوجته وبناته.

الفيلم قصيدة بصرية بامتياز، يستثمر فيها المخرج الحاصل على الفلسفة مع مرتبة الشرف من جامعة هارفارد كل الإمكانات، التي توفرها الطبيعة الخلابة من مناظر وأصوات وحياة الريف البسيطة بخلفية موسيقية من بيتهوفن، وهاندل، وباخ، ولقطات تصويرية عريضة، ومن زوايا عادة ما تكون قريبة وحميمية تعكس عمق الشخصية وهواجسها الداخلية، لذلك جاءت الحوارات مقتضبة وموزونة بدقة.

المخرج تيرنس كما هي عادته في أفلامه لا يركز على الحدث الخارجي بالقدر، الذي يركز فيه على موقف الرفض نفسه وتداعياته الروحية والنفسية على فرانز، الذي أجاد دوره الممثل الألماني أوغست ديل، حيث يصل إلى قناعة تامة ينسجم مع إيمانه المسيحي باعتبار ما يقوم به النازيون هو من أفعال الشر، التي تعارضها الكنيسة.

لكن هذه القناعة، التي يبثها الفيلم لا نتلقاها نحن المشاهدين إلا عبر البوح الشفيف، الذي نلتقيه من خلال صوت خارجي أو عبر الرسائل المتبادلة بينه وبين زوجته وهو في المعتقل. يعدم فرانز عام 1943م بعد محاكمته بعد أن يطلب منه أن يوقّع على تأدية التحية النازية لكنه يرفض.

الفيلم لا يناقش عبثية موقف فرانز، إذ كان من الممكن أن يؤدي التحية ثم يستطيع أن يخدم في أي قطاع بالجيش غير المعارك. ويتجنب بذلك المآل المأساوي لزوجته وبناته اللاتي آلت حياتهن إليه. لكنه كشف من جانب آخر عن التيار العريض من الكتَّاب والفنانين والمبدعين، الذين قاوموا النازية سواء بالصمت أو بالهروب إلى الخارج ومقاومته أو مثلما هو حال فرانز، الذي اعتبرته الكنيسة مؤخرا شهيدا، وأُلّف حوله الكثير من الكتب.

أما الفيلم الآخر، فهو «شفاه مختومة» «sealed lips» من إخراج الألماني بيرند بوهليش وتدور أحداث الفيلم عام 1952 حينما كان الحزب الشيوعي في ألمانيا الشرقية تحت سلطة وأوامر موسكو بحيث كان هناك الكثير من الناس كانت تريد الذهاب إلى موسكو لخدمة الحزب الشيوعي ومساعدته. لكنهم بمجرد ما يذهبون يتفاجأون بالواقع المرير، الذي يوضعون فيه، ومن ثم يكون استغلالهم في أبشع صوره، وهذا ما حدث مع الأسرة الصغيرة المكونة من أب وأم وابنتهما. يفتتح الفيلم مشاهده على الأب وهو يحاول الهروب من المعسكر، الذي يقع على حدود سيبيريا لأجل تقبيل ابنته في ليلة عيد ميلادها. لكنه أثناء رجوعه يمسك ويعدم بالرصاص في حينه. بعدها تبدأ رحلة شقاء الأم وابنتها في العمل الشاق بالمعسكر خلال عشر سنوات. تتطور الأحداث ويعقد الحزب مع الأم صفقة بموجبها تعيش حياة كريمة ومعززة في مقابل أن توقّع على ورقة تلتزم فيها بعدم التصريح عن حياتها في معسكرات موسكو حتى لا تتأثر صورة الحزب. ثم يمضي الفيلم كي يضعنا أمام تساؤل مرعب: هل يمكن نسيان الماضي بمجرد ما نحصل على حياة كريمة؟ وهل تضحي الأم لأجل مستقبل ابنتها؟ هذا ما ينحو الفيلم إليه بعد أن تحرق البطلة مذكراتها، التي كتبتها في المعسكر.