آخر تحديث: 18 / 4 / 2021م - 4:24 ص

حياة الكلمة في جرسها

الدكتور أحمد فتح الله *

مدخل

”الكلمة“ في اللغة كائن متنقل، تتنقل داخل اللغة من معنى إلى آخر، بلا علاقة ظاهرة بين المعنيين أحيانًا، ومن حال إلى حال؛ تكون شائعة في الاستعمال زمانًا، ثم يقل استعمالها، وتهمل، لكنها لا تموت، بل تبقى في المعاجم وكتب التراث، وربما تعود يومًا بعد غياب طويل جدًا، إذا دعت الحاجة لها، وإن كان بمعنى مغاير لمعناها الأصلي. والكلمة أيضًا قد تنتقل إلى خارج لغتها، أي إلى لغة أخرى، بالاستعارة أو بالاستبداد. هناك عوامل كثيرة تؤثر في عملية التنقل هذه، لكن في السطور التالية أمرُّ على واحدة منها: ألا وهي ”جرس الكلمة“.

جرس الكلمة

قبل توضيح المراد من جرس الكلمة، لابد من الإشارة إلى أن اللغة ظاهرة صوتية تختلف اختلافًا كليَّا عن سائر الرموز الأخرى غير اللغوية؛ فيها الكلمة وحدة «صوتية» مركبة من ”أصوات“ «فونيمات phonemes» تلعب دورًا فعالًا في تحديد دلالات الكلمات، وكذلك في نغمتها «tone»، وكثير من الكلمات تشير إلى التناسب الصوتي والتقابل الموسيقي في تركيبها وحروفها، على سبيل المثال في اللغة العربية، صوت كلمة «خرير»، يشعر السامع بصوت حركة الماء، وصوت كلمة «هديل»، المشتملة على حرف همس «الهاء»، وحرفين رقيقين «الدال واللام»، وبينهما حرف مد، ينسجم مع رقة صوت الحمامة. بعبارة أخرى، المبنى الصوتي للكلمة يحمل جرسًا خاصًا، قد ينمُّ عن تقابل صوتي مع الطبيعة، لكن توافقه الداخلي مهم في قبولها واستعمالها. [1] 

جَرَس: اسم، الجمع: أَجراس، الحَرَكَةُ والصَّوْت، وفعله جَرَسَ يَجرِس، جَرْسًا، فهو جارِس، جَرَسَ الطَّائِرُ: صَوَّتَ. جَرَسَ الكَلاَمَ: نَغَمَ بِهِ وَتَكَلَّمَ. والجَرْس: الصوت نفسه أَو الخفيُّ منه، جَرْسُ الأقدام: دبيبها الخفيّ، وسمعتُ جَرْس الطير: سمعت صوتَ مناقيرها على شيءٍ تأكله. أمَّا جَرْسُ الحرفِ: نَغْمتُه، لذا الجَرْس في الآداب رنَّة موسيقيّة تقع في الأذن عند سماع عبارة وهي ناجمة عن حسن اختيار الألفاظ وتناسق رنَّتها الصوتيّة. يقال ألفاظ هذه القصيدة ذات جَرْس قويِّ رنَّان «معجم العربية المعاصرة». وجَرَّسْتُ وتَجَرَّسْتُ: تكلمت بشيء وتنغمت، لذا تنصرف لفظة الجرس إلى نغم الكلام.

الجرس الصوتي، إذًا، هو الكلام «اللفظ» المنغَّم، وهو من الموسيقى الداخلية للألفاظ لأنه، كما يقول ضياء الدين ابن الأثير: ”الألفاظ داخلة في حيز الأصوات كالذي يستلذه السمع منها ويميل إليه هو الحسن، والذي يكرهه وينفر عنه هو القبح“ «المثل السائر، 1/169»، ويؤيد هذا قول أبي الربيع سليمان بن بنين الدقيقي النحوي «ت: 641 هـ »: ”وأصوات الحروف التي تركب منها الكلمات لها نغمات وحدود مختلفات، فمنها ما يقرع السمع برقة ولين فيستحليه، ومنها ما يقرع السمع بغلظة وخشونة فيمجه كارهًا له، ومنها ما ينفر منه السمع وتتقزز منه الألسن، سواءٌ أكان ذلك من الكلمة الواحدة، أم من اجتماع عدة كلمات أحدث اجتماعها مالم يكن عند انفراد كل منها“ «اتفاق المباني وافتراق المعاني، 5»، ويضيف أبو الربيع: ”ومع الاستعمال والتجربة، تُعْزَل في الغالب الكلمات القاسية الصعبة، والكلمات المستقبحة المستغلظة والتي تتقزز منها النفوس، إلا ما كان منها مقصودًا لبيان قبح المعنى أو ما كان مقصودًا للشتائم، ونحو ذلك“ «نفسه، 6».

أمَّا أمين الخولي فيختصر هذا الأمر بقوله: ”وإن حد الكلمة جرس صوتي مقطع بانتظام“ «فن القول، 152»، وقد أطلق آيفور رتشاردز «Ivor Richards» على الجرس ”الصورة السمعية“، فقال ”يندر أن تحدث الاحساسات المرئية للكلمات بمفردها، إذ تصحبها أشياء ذات علاقة وثيقة بها، بحيث لا يمكن فصلها عنها بسهولة، وأهم هذه الأشياء «الصورة السمعية» أي وقع جرس الكلمة على الأذن الباطنية، أو أذن العقل“ «مبادئ النقد الأدبي والعلم والشعر، ص: 171».

يفهم مما تقدم أن تناغم الأصوات والاتساق في مبنى الكلمة من أهم الأسباب لبقائها مادامت الحاجة لها باقية، بمعنى أن ”موسيقا الكلمة“ يمثل درعًا منيعًا في مقاومتها لعوامل التطور «التغير والتبدل والإندثار». ومن الظواهر الطبيعية في حياة اللغة الاقتراض من لغات أخرى «الاقتراض اللغوي» وهو رافد مهم لنموها وثراءها وحتى بقاءها، ولا يحدث فقط نتيجة فراغ لغوي، بمعنى غياب كلمة للتعبير عن شيءٍ ما، بل حتى مع وجودها بأن تضيف الكلمة المستعارة بُعْدًا ما في المعنى القائم «نفسي، اجتماعي، ثقافي، أو غير ذلك»، وهذا هو أحد أسباب الترادف «ولنا وقفة قادمة معه»، أي تتواجد الكلمتان للاستعمال في آن واحد. لكن بعض الكلمات الدخيلة «المستوردة» قد تزحزح الأصلية عن الاستخدام وتقذف بها خارج التداول وتحل محلها. أقوى أسباب هذا الإحلال، هو ”سهولة نطقها“، أي أن الكلمات الدخيلة تمتاز بخفة في النطق وعذوبة في الجرس تفتقده الكلمة الأصلية فيترك أهلها استخدامها ويستعيضوا عنها بالكلمات ”الأجنبية“، وتُهمل الكلمات الأصيلة فتنسى فتندثر، وقد تجد لها حظًّا في المعاجم، وكتب التراث فتبقى مجرد تحفة تاريخية. وفي هذا السياق يقول ابن فارس: ”ذهب علماؤنا أو أكثرهم إلى أن الذي انتهى إلينا من كلام العرب هو الأقل“ «مقاييس اللغة، 34»، ويضيف: ”وقد كان لذلك كله ناس يعرفونه، وكذلك يعلمون معنى ما نستغربه اليوم نحن من قولنا ”عيسجور“ في الناقة... ذهب كله بذهاب أهله ولم يبق عندنا إلا الرسم الذي نراه“ «مقاييس اللغة، 37».

الإحلال اللغوي بسبب ”الصوت“، أي ثقله على اللسان والأذن، حدث لكثيرٍ من الكلمات في اللغة العربية، على سبيل المثال:

- كلمة ”الزندبيل“ العربية حلت محلَّها كلمة ”الفيل“ الحبشية.

- كلمة ”السجلاط“ العربية حلت محلَّها كلمة ”الياسمين“ الفارسية.

- كلمة ”التامورة“ العربية حلت محلَّها كلمة ”الإبريق“ الفارسية.

- كلمة ”السجنجل“ العربية حلت محلَّها كلمة ”المِرآة[2] .

ما تُركتْ هذه الكلمات العربية الأصيلة وغيرها إلا لثقلها في النطق، وخفة الكلمات الدخيلة. ويربط بعض اللغويين هذا التطور التاريخي الناتج عن العامل الصوتي للكلم العربية بقضية أسْمَوْها ”فناء الألفاظ وزوالها“. يقول عبد المنعم الكاروري: ”إن الألفاظ كما تتحول من معنى لآخر كذلك تتحول من وجود إلى عدم … وفي العربية قدر كبير من هذا الذي درس وباد، ويسميه بعضهم «عُقمي الكلام»“ «التعريب في ضوء علم اللغة المعاصر، 15»، ويراد ب ”العُقْمِي من الكلام“ الغريب الغامض «لسان العرب، القاموس المحيط، معجم الرائد».

أمّا انستاس ماري الكرملى فيقول بعبارة أوضح: ”فقد تطورت هذه الكلم تاريخيَّا وتحولت عما كان ينطق بها قبل اختلاط العرب بهذه الأمم الأجنبية إلى ما ينطق بها اليوم“ «نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها، 88». ملاحظة الكرملي مهمة جدًا في قضية تشكل الوعي اللغوي وما قد ينتج من تعصبٍ لغويٍّ لا يَبينُ خَطؤه لأصحابه إلَّا بالعلم ومعرفة ما عند الغير، فثقل بعض الكلمات العربية في النطق لم تتضح إلا حين اطلعوا على ثقافة شعوب أخرى واستعاروا كلماتٍ منها أزاحت ما لا يستساغ من كلماتهم[3] ، لتؤكد الحقيقة، وهي أن اندثار هذه الكلمات ومثيلاتها هو عدم تناغم الحروف في مبانيها مما كان يؤدى إلى مشقة في نطقها، وهو الأمر الذي دفع العرب إلى هجرها وطلاقها للسهلات الرقيقات حين وجدوها. فليس هناك لغة صافية نقيَّة لطبيعة البشر في الأخذ والعطاء والتطور، ولا مجال للمفاضلة بين اللغات، فكلُّ لغةٍ لها خصائصها التي تلبي ”حاجات“ متكلميها المتطورة وأذواقهم المتغيرة.

[1]  لأهمية صوت الكلمة ودوره في اللغة العربية، درسه اللغويُّون العرب في القرآن الكريم وفي الشعر العربي، إضافةً إلى نظرية الارتباط بين الصوت والمعنى «بين صوت الحرف ومعناه»، وهذه مباحث في علم اللغة، لكن - رغم أهميتها - لا يتعرض لها هذا المقال المهتم فقط بأثر ”جرس الكلمة“ في بقاء الكلمة أو زوالها من الاستعمال اللغوي.

[2]  قيل إن ”السجنجل“ أصلها رومي، أمّا ”المِرآة“، فلم استطع الوصول إلى أصلها، وربما تكون عربية، إذ يقول المثل العربي: ”تُخْبِر عن مجهوله مِرآتُهُ“، أي أنَّ ظاهره يدلُ على باطنه، فلعلها محورة من ”المَرآة“ بمعنى ”المَرأى“، بدليل فتح الميم في جمعها: ”مَراءٍ“، و”مَرايا“ «الجوهري، الصحاح، 6/2349».

[3]  جمع أبو الربيع سليمان النحوي «ت: 641 هـ »، في ”اتفاق المباني وافتراق المعاني“، كثيرًا من الكلمات «الغريبة» ”الصعبة على الألسن ولها جموح ونفور“. انظر أيضًا: ”نشوء اللغة العربية ونموها واكتهالها“، لأنستاس ماري الكرملي.
تاروت - القطيف