آخر تحديث: 22 / 4 / 2021م - 4:38 ص

البناء الأسري عند الزهراء (ع)

قال تعالى: ﴿و َيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً  الإنسان الآية 11 .

أي بيت نوراني ذاك الذي تتحدث عنه الآية الكريمة وقد شيدت قوائمه العالية على القيم والتعاليم الأخلاقية الرصينة، فغدا مضرب المثل والتأسي لمن أراد المسير نحو العلا والسمو الروحي، إذ لا يمكن للمتأمل في الدستور المنظر لحياة المسلم ألا وهو القرآن الكريم أن يتجاوز هذه الآيات دون أخذ العظة والعبرة، وتحويل تلك القبسات القرآنية إلى مجموعة سلوكيات يطبقها في الواقع العملي وعلى مستوى علاقاته الأسرية والاجتماعية، إذ تشكل حياة الزهراء المعطاءة منهج حياة لمن طلب طريق السير في تحصيل الكمالات والفضائل، فطوبى لأصحاب البصيرة والإرادة القوية السائرين على نهجها التربوي.

وماذا عن الحياة المادية والاهتمام بالكماليات الترفية والموضات وجعلها المقياس الأوحد في حياتنا الأسرية، هل يمكنها أن تجلب لنا الأمان الأسري والسعادة المرجوة أم أنها موطن الزلل والخلافات؟!

بلا شك أن الجانب المادي له دور مهم في استقرار العش الزوجي، وذلك من خلال توفير مستلزمات الحياة الكريمة من مسكن وطعام وغيره، ولكن هذا - بالتأكيد له معنى ومؤدى مختلف تماما عن تصور الأوحدية في التأثير والنتائج، بل ومن خلال مفهوم الآية الكريمة ومضمونها ما يؤكد على تأثير مجموعة عوامل في استقرار العلاقة الزوجية واستمرارها وتألقها، وأهم تلك الجوانب هو الجانب الأخلاقي والذي يشكل سور حماية وتحصين للعلاقة بين الزوجين وأفراد الأسرة، ولنعقد مجموعة مقارنات سريعة تبين الأمر وتفصح عن أهمية العطاء والانسجام والتفاهم والتضحية والثقة بين الزوجين.

فالعلاقة الزوجية مشاركة بين الطرفين في بناء هرمية السعادة وراحة البال والإشباع العاطفي، ومجرد توفير الجانب المالي لا يشكل دعامة استقرار، بل الأمر يحتاج إلى ثقافة زوجية وسلوكية بما يدعم تلك العلاقة ويصونها من المنغصات والخلافات والمشاحنات، إنه الضمير الحي والقيم الأخلاقية التي تدعو الفرد للتخلص من أغلال الأنانية وشح النفس المادي والمعنوي، إذ ينظر لشريك الحياة على أنه مكمل لشخصيته فيبادله المشاعر الصادقة ويثبت له مكانته في قلبه من خلال المواقف المتكررة، لا من مجرد كلمات الحب الخاوية من واقع يدعمها ويؤكد على الاهتمام والعناية به، وهذه القيم الجميلة في العلاقة الزوجية المتينة منبعها القيم الأخلاقية التي يتحلى بها الطرفان.

كما أن الحفاظ على الحقوق الزوجية لكليهما دون انتهاك أو تعد على الحرمة المعنوية للآخر تحتاج إلى ضبط النفس والتخلص من الانفعالات الحادة والمزاجية والتكاسل، وهنا تكمن أهمية حزمة ومفاهيم الدستور الأخلاقي للأسرة والذي يحث الطرفين على مراعاة الآخر وظروفه والعمل على إسعاده.

ويقدم لنا القرآن الكريم نموذجا فريدا لتطبيق القيم الأخلاقية المثمرة على مستوى الأسرة، وذلك من خلال مبدأ العطاء والشعور بفقر وعوز الآخرين بل والإحساس بالسعادة للقدرة على تلبية ما يحتاجونه، وهذا ما يترتب على الانعتاق من أغلال الأنانية وشح النفس، إذ هناك نماذج من الناس قد هاج بهم فرط حب النفس لحد الطغيان فتبلدت أحاسيسهم تجاه آلام الغير، فطغيان النفس جعلهم أشحاء في مشاعرهم وعطائهم ولا يهتمون بحاجة فقير أو يتيم.

وحينما يستنهض القرآن الكريم نفوسنا نحو القيمة الأخلاقية للعطاء ودوره في بلسمة آلام المعوزين، يقدم لنا ذلك من خلال صورة حية في محيط أسري نوراني معطاء مع ما يبلغونه من خط الفقر والاحتياج، ولكن نفوسهم العالية المعطاءة تتسامى على كل عطاء لتبلغ درجة الإيثار ونسيان الذات، فبيت فاطمة الزهراء في أيام صيامهم الثلاثة قدموا طعام إفطارهم للمسكين في أول ليلة، ولليتيم في الليلة الثانية، وللأسير «يسعى في فكاك أسره» في الليلة الثالثة.

فأي قيم سامية يقدمها هذا البيت الفاطمة النوراني لنا في طريق الإنفاق وإقامة مظلة التكاتف الاجتماعي وتحسس حاجات الآخرين، إنهم بذلك يصنعون النفوس المتخلصة من أغلال الشح والمنطلقة بعد ذلك في ميادين البذل والمساعدة للغير.