آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 10:07 ص

كليجا «بريدة» بالقهوة «النجفية»

أحمد العلي النمر

في بهو أحد الفنادق التي بنيت حديثا في النجف الأشرف يتجمع عدد من الزوار الشيعة من جنسيات مختلفة - وعلى غير موعد - بعد انتهائهم من مراسم الزيارة والعبادة لتبادل أطراف الحديث، وبالطبع لا يخلو المجلس من المكملات الرئيسية، شاي، قهوة، حلوى، مكسرات... الخ، التي في العادة يتبرع بها الجالسون وتأتي متنوعة كتنوع جنسياتهم.... وفي واحدة من تلك الجلسات قام احد الزوار بتقديم «كليجا»: - وهي حلوى شعبية تشتهر بها مدينة بريدة احضرها معه من بلاده، ليغتنم احد الظرفاء الفرصة ويعلق قائلا: - ما شاء الله... كليجا بريدة بالقهوة النجفية!!

والنجف بمفهوم بعض السلفيين المتشددين واحدة من أهم حواضر «الرافضة» التي يشدون الرحال إليها ليمارسوا فيها طقوسهم الشركية ويطوفوا بقبر إمامهم علي بن أبي طالب ويلتقوا بمراجعهم الكبار الذين يُزينون لهم هذه العقائد الباطلة؟! ولذلك فإن زيارة احد أتباع التيار السلفي لها يُعد من الكبائر، إلا إذا كانت بغرض التفجير والإبادة الجماعية لأهلها فإنها حينئذ تصبح من اقصر الطرق لتناول وجبة مع رسول الله ﷺ في جنان الخلد؟!

أما بريدة بمفهوم بعض المتشددين الشيعة فهي واحدة من أهم مناطق التطرف والتكفير، فهي مسقط رأس الكثير من زعماء التيار السلفي الذين يجاهرون بتكفير الشيعة ويدعون إلى استئصال شأفتهم وإراحة البلاد والعباد منهم، واليها ينتمي الكثير من الشباب المغرر بهم الذين ذهبوا إلى العراق بدعوى الجهاد، وإن من أهم الواجبات على الشيعي عند دخوله إليها العمل «بالتقية» لأن فيها من «شُحن» من رأسه إلى أخمص قدميه بأن الرافضي اشد خطرا على الإسلام من الصهاينة والأمريكان؟!.

إلا أن الواقع التاريخي للعلاقة الإنسانية بين النجف وبريدة يشير إلى عكس ذلك تماما، فمنذ زمن غير بعيد كان «العقيلات» وهم قبائل وأسر متحضرة من نجد ومن بريدة بالتحديد، اشتهروا بالتجارة في المواشي والأغذية والملابس وحراسة قوافل الحج، وكانوا يزاولون تجارتهم بين الكويت والعراق وفلسطين ومصر وغيرها، وكانت النجف احد أهم المحطات التجارية في طريق رحلاتهم، ولم تكن النجف محطة للعبور والتزود بالمؤن فقط، بل كان العقيلات يحطون فيها الرحال ويستأجرون العقار للتجارة والإقامة.

ويتعاملون مع أبنائها الشيعة الذين تعود أصول اغلبهم إلى القبائل العربية العريقة والذين لا يختلفون في كثير من طباعهم وسجاياهم عن إخوانهم العقيلات، ولابد أن يتخلل مثل هذه العلاقة زيارات منزلية متبادلة لا تخلو من الولائم ومجالس السمر والأدب ومناقشة الهموم المشتركة، ومن المؤكد أن العقيلات أثناء إقامتهم هناك شاهدوا القبة الذهبية الشامخة المقامة على ضريح أمير المؤمنين والتي تُشرف على المدينة بأسرها.

وشاهدوا ذلك المقام الشاهق ببواباته الكبيرة الذي يتوسط مدينة النجف، وربما أناخوا رواحلهم المحملة بالبضائع تحت أسواره العظيمة، وليس من المستبعد أن يدخل بعضهم إلى داخل الضريح ولو من باب التقصي وحب الاستطلاع، وربما جاء وقت الصلاة ودخلوا كغيرهم لأدائها داخل المقام من دون أن يضايقهم احد، ولابد أنهم تعرفوا عن كثب على بعض الطقوس العاشورائية وشاهدوا المسيرات الدينية واستمعوا للنواعي الحسينية.

وقد تطول إقامة العقيلات في النجف وقد تقصر تبعا لرواج أو كساد تجارتهم، ثم يعودون إلى بلدانهم سالمين غانمين لا متشيعين ولا «متصفويين»، وقد يرافقهم في طريق العودة جماعة من النجفيين الشيعة بغرض التجارة أو الحج أو العمرة في رحلة لابد أن يعبروا خلالها ارض القصيم، وهناك ربما حلوا في بريدة ضيوفا على معارفهم من تجار «العقيلات» لبعض الوقت قُبيل رحيلهم إلى وجهتهم، ومن ثم يعودون كذلك إلى نجفهم سالمين غانمين لا متسننين ولا «متوهبنين»، ولم يذكر التاريخ أن «مدا» شيعيا أو «جزرا» سنيا أو «غزوا فكريا» أو «غسيلا دماغيا» حدث بين سكان المدينتين المعروف عنهم شدة التمسك بأهداب الدين.

ولم تكن القطيعة للنجف وغيرها من المدن العراقية وحرمان المسلمين من زيارتها إلا خضوع لإرادة سياسية فُرضت على الناس رغما عنهم، وليس للدين أو المذهب أو الطقوس العبادية أو العرق أو اللون دور في تلك المقاطعة، لان العلاقة بين الشعوب أسمى من هذه الادعاءات الفارغة التي لا يراد منها إلا زيادة البغضاء والقطيعة بين المسلمين.

ومما يبشر بالخير للجميع أن المستقبل القريب سيكون خلاف رغبة دعاة التطرف والانغلاق، فقد حطت في الأسبوع الماضي أول طائرة ركاب سعودية في مطار النجف قادمة من مطار الدمام تحمل 165 راكبا سعوديا، وهذا يعني انه قد تقلع في المستقبل القريب - إذا اقتضت المصلحة السياسية - طائرات أخرى من مطارات المملكة إلى مطار النجف وبالعكس.

وربما يكون من بينها مطار القصيم الذي تقع بريدة ضمن نطاقه، والذي لو حدث فإنه حتما سيؤدي إلى إحياء علاقة تاريخية انسانية عريقة غيبها النسيان بين أحفاد العقيلات وأحفاد أصدقاء أجدادهم من أبناء النجف.... وليس ذلك على الله ببعيد... فقد يجمع الله الشتيتين بعدما *** يظنان كل الظن أن لا تلاقيا.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
عمر العرمرم
[ بريده ]: 10 / 5 / 2013م - 5:04 ص
يا ادمي على الاقل بدل ماتحاول تعتبرها خطوه جيده( وهذا مالا اظنه) حتى جاي تتكلم بطائفيه وجايب طاري تفجير وسنه وسلفيه ..ماتعيشون الا باللعب على وتر الطائفيه والهولوكوست حقكم ... والله حاله