آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 2:33 م

سواحلنا الشرقية و«الشورى السوداء»

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

وللعلم أولا، فإن «الشورى السوداء» في العنوان لا علاقة لها من قريب ولا من بعيد بمفهوم الشورى، وإنما هو نوع آخر لشورى سوداء طالما تعرض منذ العقود الماضية للتخريب والدمار، وقد أوشك على الاحتضار.

هو في واقعه لا يُريد منا شيئا سوى احترامه، إنه نبات إن شئت فقل «المانجروف» أو أشجار «القُرم»، وإن شئت فسمه «الشورى السوداء»، هذه الأشجار الخضراء الجميلة كانت تملأ الساحل الشرقي للمملكة في خليج تاروت الذي يمتد من الدمام مرورا بسيهات، وعنك، والقطيف، والعوامية، وصفوى وصولا إلى رأس تنورة.

تشير الدراسات إلى أن أكبر كثافة في العالم لأشجار «القُرم» هي في جزيرة تاروت التي كانت تعد أكبر جزيرة سعودية في الخليج العربي قبل 40 عاما، ولكنها الآن لم تعد كذلك؛ نتيجة عمليات الردم خلال السنوات الماضية، والتي جعلتها ملتصقة جغرافياً بمدينة القطيف، بعد أن كان البحر يفصل بينهما، بمسافة تقدر بنحو 5 كيلومترات حيث كشف تقرير رسمي لأرامكو السعودية على لسان اختصاصي بيئي في الشركة أن غابات أشجار المانجروف «القُرم» على سواحل خليج تاروت لم يبقَ منها الآن إلا 10 % فقط من إجمالي غابات القُرم الأصلية.

إنه أمر يدعو للغرابة أن يتم هدر ثروة طبيعية كبرى في بلد صحراوي كالمملكة هكذا وبكل بساطة! فالمانجروف يعد الموطن الأصلي في الرعاية والتغذية للأحياء البحرية وخصوصا الأسماك والروبيان. ثم هل تعلم بأن فقد «الشورى السوداء» يعني فقد أفضل ثروة نمتاز بها على سائر دول العالم؟ حيث تشير البحوث إلى أن الروبيان الذي يتغذى على هذه الأشجار في الساحل الشرقي يعد أفضل أنواع الروبيان في العالم، بالإضافة إلى أن أشجار «القُرم» هي الوحيدة التي تنمو في المياه المالحة، إذ إن لديها القدرة الهائلة على تحلية الماء المالح لنفسها، علاوة على كونها ملجأ آمنا للطيور المهاجرة، وكذلك قيامها بدور امتصاص الملوثات الكيميائية والنفطية، وطول جذورها يسهم في زيادة نسبة الأوكسجين.

أسوق هذا الكلام في سياق وعي أهالي منطقة القطيف وتفاعلهم مع الحملات الضخمة المتواصلة لتنظيف شواطئ المحافظة في منطقة «غابات المانجروف» التي كان آخرها يوم الخميس الماضي، والذي شاركت فيه مختلف الجمعيات التطوعية مثل جمعية العطاء النسائية الخيرية والجمعية التعاونية لصيد الأسماك وجمعية الخليج الأخضر وكذلك بلدية محافظة القطيف بالتعاون مع فريق البيئة «Save» التابع لشركة أرامكو السعودية.

واللافت في هذه الحملة أن هناك تفاعلا قويا من متطوعين أجانب من جنسيات مختلفة جاؤوا من مختلف دول العالم ليشاركوا في هذه الحملة.

هذه الحملة التطوعية في نظري ليست مجرد تنظيف لغابات «المانجروف» بل هي تأصيل وترسيخ للقواعد الحقوقية التالية:

1 - الحق في سلامة البيئة وحمايتها كحق من حقوق المواطن.

2 - الحق في التنمية بمشاركة المجتمع المدني.

هؤلاء المتطوعون من الرجال والنساء آثروا على أنفسهم في عطلتهم الأسبوعية من أجل تعميق مفهوم المسؤولية الاجتماعية بحق هذا البلد أرضاً وتأريخاً.