آخر تحديث: 25 / 10 / 2020م - 5:01 م

ما يسمى «الربيع العربي»

أحمد المحيسن

مدخل

ما يسمى بثورات الربيع العربي أججت الصراع بين مكونات المجتمعات الثائرة، فترى مؤيدي النظام والدولة يواجهوا بعض المعارضين على أرض الميدان في أكثر من مشهد مما أنذر وينذر بتصادم وشد وجذب نتج عنه وينتج زهق آلاف من الأرواح بين قائل بموت الآخر وذهابه للجحيم، وبين مترحم عليه مهنئا له الشهادة!

وكنتيجة طبيعية لارتباطنا بالأحداث السياسية الساخنة في محيطنا الإقليمي بتنا نعيش في وسط يكاد لا يهدأ نتيجة الزخم الإعلامي الكبير الذي تسلح في مواده بدعاة ساهموا في زيادة الوضع دموية بفتاويهم الخارجة عن النص.

موقف الدعاة

بين المشاهد الدموية في بلدان ما يسمى «الربيع العربي» ظهر دعاة أججوا الوضع الدموي، فالبعض أخذ يكفر الطائفة الأخرى مستحلا دمها، معلنا الجهاد ضدها، والبعض الآخر أخذ يجمع التبرعات للشعوب المنكوبة وقد تبين فيما بعد أن جزءا من هذه التبرعات قد اختلست مما حدا ببعض الحكومات لمنعها. صنف آخر من الدعاة حرم الجهاد ليعلن بعد أيام قليلة أنه فرض عين مما يكشف عن ضبابية وعدم وضوح مفهوم الجهاد في نظر هؤلاء الدعاة. فهم تارة يحرموا الخروج على السلطان وينهوا عن مخالفة أوامره، فعليك السمع والطاعة، وإن جلد ظهرك وأخذ مالك. وفي نقيض ذلك يعلنوا الجهاد بالنفس والمال والسلاح وكل ما استطعت إليه سبيلا!

هؤلاء الدعاة للأسف تاجروا باسم الدين، وفي الآونة الأخيرة ظهر أكثر وضوحا وجليا وصفهم للصراع القائم في سوريا على سبيل المثال وكأنه تعدي طائفي أو تطهير عرقي، أي كأن طائفة تعدت على حقوق الأخرى. فهؤلاء الدعاة ولمصالح ومكاسب سياسية وشخصية صوروا الصراع وأعطوه الصبغة الدينية والطائفية وذلك للأسف أسهل وأيسر الطرق لقيادة الشعب المغلوب على أمره.

شبكات التواصل

شبكات التواصل الاجتماعي هي الأخرى أججت الصراع وعمقت الشرخ في الدول المعنية بأزمة ما يسمى بثورات الربيع العربي، فترى تبادل لصور ومقاطع فيديو تبين بالأدلة القاطعة أنها مفبركة وأخرى تضاربت الأقوال بشأنها، فعلى سبيل المثال، في سوريا ظهر فيديو لأشخاص يرفعون راية ويعلقونها على أحد المساجد في إشارة إلى سيطرتهم على المدينة، هنا ظهرت أطراف تبين أن هؤلاء الأشخاص ينتمون لحزب الله اللبناني وهذه الأقوال قد يكون من السهل تصديقها من الجانب المخالف المتطرف والجاهل كون الراية تحمل عبارة «يا حسين» وهم يروا بعينهم المتطرفة أنها إشارة طائفية.

قنوات فضائية أخرى ممن دأبت على الكذب والتزييف أشارت إلى أن ذلك المسجد هو مسجد عمر بن الخطاب، بينما أشار آخرون إلى أنه مسجد الإمام الحسن المجتبى! هذا التضارب في الأنباء يجعل من الصعب التصديق بمثل هذه الأطروحات الصورية منها والفيديوية ويجعل من السهل الإعتراف والكشف عن أهداف القوى التي تقف خلف طرح مثل هذه المواد الإعلامية الفتنوية.

وهنا أسأل سؤال بسيط.. ماذا لو جندت المخابرات الإسرائيلية بعض العناصر وألبستهم تماما كما الزي الرسمي لعناصر الجيش السوري أو ماذا لو جندت عناصر في ما يسمى بالجيش الحر مع وجود رمز لأحد الجيشين ظاهرا بارزا وأظهرت فيديو لهم وهم يرتكبوا مجزرة في مكان ما ضد الطرف الآخر، فكيف ستكون ردة فعل من يقف خلف الطرف المظلوم والمرتكب بحقه المجازر؟! بالطبع سوف يتم تصديق ما حدث من قبل بعض المغلوب على أمرهم ممن يسلم ويصدق بكل ما يشاهد، وبالتالي سوف يتأجج الصراع في خدمة المشروع المنفذ.

أيضا مع سهولة انتحال الشخصيات في شبكات التواصل يصبح من السهل التلاعب بما يكتب وينشر. فليس بذلك الجهد المضني أن تضع صورة شخص ينتمي إلى أحد أطراف الأزمة وتبدأ مغردا في تويتر مهاجما الطرف الآخر، واصفا إياه بأبشع الصفات.

ختاما

لابد من الحذر أولا من الإنسياق لتصريحات وفتاوى الدعاة وغيرهم، فالإنجراف إلى هكذا وحل نتن لن تجدي الأمة منه إلا القتلى وخراب الدور. أيضا لابد من تحري الصدق فيما يعرض من مختلف المواد الإعلامية لاسيما إذا شممنا من ذلك رائحة فتنة ما.

تأجيج الفتنة

للأسف بعض الدعاة ممن يقطنون لندن أطلقوا حملة مليونية للعن بعض الشخصيات الإعتبارية لدى بعض المسلمين وهذا مرفوض بالطبع، ولكن مثل هؤلاء لن يهدأ لهم بال ولن تقر لهم قرارة حتى يروا بحور الدماء تسيل بين المسلمين. حيث أنه بهذا النهج الطائفي البغيض سوف ينتقل الصراع من صراع طوائف إلى صراع داخل الطائفة الواحدة كون الأرض مهيأة وخصبة لهكذا توجه وسيأتي اليوم الذي سنرى فيه حملات مليونية للعن مراجع وقامات الطرف الآخر من نفس الطائفة ممن يخالف في التوجه والفكرة وربما العقيدة!

هذه الحملة تأتي في وقت صعب وحرج جدا لما يتعرض له المسلمين من محاولات لتحريض بعضهم ضد الآخر، وكان الأجدر بمثل هكذا توجه أن يستغل فيما فيه إلى الدعوة لجمع كلمة الأمة في هذا الوقت الحرج، فما حدث في العراق من إقامة صلوات جماعية بين جميع المسلمين بمختلف طوائفهم في محافظات مختلفة لهو أجدر بأن يحتذى به ويطبق كأنموذج لمحاربة الفتنة ووأدها بدلا من تأجيجها وإذكائها!