آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

الخوارج الجدد

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

تذكرنا الطروحات الخطابية لمن يُسمون أنفسهم بالدعاة الجدد في تحريض الشباب على الجهاد في الأحداث الجارية على الساحة بحدث مفصلي في التاريخ الإسلامي له ارتباط بالحاضر، حينما قام الخوارج «أول تنظيم إرهابي» بالخروج على الإمام علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - بحجة أنه حكم الرجال، ولا حكم إلا لله، ويجب عليه أن يتوب أو يُقاتَل، واعتبروا كل من خالف رأيهم أو سكت وقعد عن الخروج معهم كافراً، وأباحوا تبعا لذلك دماء المسلمين. وأطلقوا على أنفسهم الموحدين وعلى حركتهم جهادا.

ومع أنهم كانوا ظاهراً أشد الناس إيمانا وتديناً وأكثرهم عبادة وتهجداً في المساجد، إلا أن الإمام ومن معه من أصحابه لم ينخدعوا بهذه المظاهر فسموهم «الخوارج»، وقال فيهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم: «يخرج في هذه الأمة قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حلوقهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، هم شر الخلق والخليقة، من أبغض خلق الله إليه». بينما انخدع جمهور المسلمين بما قام به «الخوارج الجدد»، الذين اعتبروا تنظيم القاعدة تنظيما جهاديا، وهم إن استنكروا الإرهاب ظاهرا إلا أنهم في المواقف تجد التطرف يعشعش في عقولهم والطائفية البغيضة ضاربة في أعماقهم.

خوارج عصرنا الجدد، أسعد حظاًّ من خوارج الأمس، إذ يجدون فضائيات تتبنى طروحاتهم وقد وظفوا التقنية فنشاهد أجهزة «الأيباد» في أحضانهم حتى أصبحوا نجوما «تويترية» جماهيرية، لا يكلون ولا يملون صباح مساء من إصدار فتاوى «بانورامية» متنوعة، كفتوى جهاد المناكحة وغيرها من الفتاوى الشاذة التي لا يقرها عرف ولا خلق ولا دين.

إنني أتساءل: هل يملك هؤلاء حق تحريض وشحن الجماهير للتورط في أعمال تخريبية يروح ضحيتها أبرياء؟ لماذا كل هذا التعاطف وكل هذا الدفاع عن خوارج عصرنا؟ وهل تكفي العاطفة العمياء لجعل الإرهابيين أبطالا؟ هل نترك أمر الجهاد لوعاظ متشنجين يعلنونها حربا تدمر الأخضر واليابس؟ هل هم صادقون في دعواهم؟ لماذا نلاحظ على هؤلاء المحرضين أنهم يعيشون بحبوحة العيش إلى حد التخمة؟ أليس حريا أن يقيد حق الجهاد بما لا يضر المصلحة العامة؟

حسناً فعل الملك عبدالله ـ حفظه الله ـ حينما أمر بتغليظ الأحكام بمن «يغررون بالشباب»، حيث قال: «سمعت مع الأسف أن هناك أشخاصا يلتقون بالشباب ويغررون بهم، وهذا الأمر يجب أن يكون الحكم فيه ليس السجن فقط، كفانا الله شر من يريد أن يغرر بأطفال الناس»، نعم هكذا اختطف مفهوم الجهاد من قبل الإرهابيين، وانقلب من كونه مفهوما إسلاميا أصيلا لحماية حقوق الإنسان والحريات ورفع الظلم إلى مشروع تدميري ضد الإنسانية وضد الحياة.

الآن ـ ومع الأسف الشديد ـ يبدو أن السيناريو الأفغاني يتكرر مرة أخرى وبطريقة أكثر «دراماتيكية» في ظهور الخوارج الجدد على السطح.. في الماضي كانت النتيجة ظهور حكومة طالبان، أما اليوم فهل الشعب السوري محكوم عليه كالقدر المكتوب أن تحكمه، دكتاتورية القاعدة؟

شراسة القتال، والحرب الأهلية الطاحنة غير المعلنة في سورية، وباعتراف مسؤولين أميركان، تشير إلى أنها تحمل بصمات القاعدة، حيث أكد رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركي في مقابلة مع شبكة «سي إن إن»، أن «القاعدة مشاركة فيما يحدث في سورية وأنها مهتمة بدعم المعارضة».