آخر تحديث: 21 / 10 / 2020م - 12:08 ص

ماذا سيحدث اليوم في أرض الكنانة؟

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

بالفعل ما أشبه اليوم بالبارحة، قبل ثماني سنوات وبالتحديد في نوفمبر 2005 كتب المرحوم الدكتور «أحمد الربعي» - تغمده الله بواسع رحمته - سلسلة مقالات في صحيفة الشرق الأوسط بعنوان «الإخوان في البرلمان» ذكر فيها بأن «نجاح الإخوان المسلمين المصريين في البرلمان ربما يكون ضرورة وطنية وديموقراطية.. ولكن المشكلة الكبرى، والخطر الأكبر من هذه الجماعة هما الطرح «الميكيافيللي»، فلديهم برنامجان أحدهما معلن يتحدث أحيانا وباستحياء عن دولة مدنية، وآخر حزبي هدفه إقامة دولة دينية..

وهم يمارسون ازدواجية خطيرة في الطرح.. - واختتم الجزء الثالث من مقاله - بأن تجارب الآخرين هي التي تستحق أن تقرأها جماعة الإخوان المسلمين المصرية في التعاطي مع المستجدات، فمن يده في الماء ليس كمن يده في النار، ومن يمارس المعارضة والتنظير ليس كمن يجد نفسه في موقع المسؤولية، حتى لو كانت هذه المسؤولية هي مجرد كتلة برلمانية نشطة»، هذه النظرة الثاقبة للمفكر الراحل هي بذاتها تتجسد اليوم عندما وصل الإخوان للسلطة، فبعدما كانوا السادة في مناهضة الغرب «الكافر» أصبحوا اليوم يتوددون إليه ويحرصون على صداقته، اليوم باتوا يتحدثون عن احترام المعاهدات الدولية.

وقد كانوا في الماضي يُطالبون بإلغاء معاهدة «كامب ديفيد»! هُم بالأمس كانوا يطالبون بمقاطعة البضائع الأميركية وطرد السفير الأميركي بعد الرسوم الكاريكاتورية المسيئة، واليوم يقودون الحملات الإعلامية لتحسين صورة أميركا وتبرئتها من مسؤولية الفيلم المسيء!. اليوم تجدهم يسعون للاقتراب من صندوق النقد الدولي بكل فوائده، بعدما كانوا يرونه رباً محرماً! كانوا في الماضي يهاجمون النظام السابق ويتهمونه بالتبعية، الآن يتحدثون عن رعاية المصالح الوطنية!. إنه منطق السُلطة وكما يراه البعض «براجماتية».

الإخوان يدافعون عن تعاونهم مع أميركا بحجة أنها علاقة مصالح مشتركة تقوم على الاحترام المُتبادل، ويُقرون بأنها مختلفة تماما عن علاقة النظام السابق الذي كان خانعاً للغرب، وهو ذات ما كان يردده النظام السابق في مصر وليبيا وتونس واليمن! لتكون النتيجة الطبيعية لهذه الازدواجية المتلونة بين الداخل والخارج هي انقلاب «الربيع المصري» إلى «خريف» كئيب على أيدي جماعة «الإخوان المسلمين»، ولعل حكايات هذا اليوم الأحد 30 يونيو هي خير شاهد على ما نقول؛ فبعدما تعهد الإخوان باحترام الديموقراطية وحقوق الإنسان وأعلنوا إيمانهم بالتعددية واحترام الرأي الآخر كانت النتيجة هي السيطرة الإخوانية التامة على كافة مؤسسات الدولة، وكذلك بروز الطائفية بشكل فاقع في الآونة الأخيرة، إضافة إلى محاصرة المحكمة الدستورية في مشهد غير مسبوق له في تاريخ القضاء المصري، كل ذلك من أجل «إدخال السلطة القضائية في بيت الطاعة الإخواني» على حد تعبير أحد المستشارين المصريين.

احتجاجات عنيفة وغليان سياسي واجتماعي، وانفلات أمني، ومواجهات دامية راح ضحيتها العشرات من القتلى والجرحى، وفرض حالة الطوارئ، هذه الحالة جعلت البعض يترحم على عهد مبارك. إنني أتساءل: لماذا انحرف مسار «الربيع المصري» وأصبح بعيداً عن طموحات الشعب في الحرية والعدالة والكرامة؟ الجواب بساطة يكمن في «أسلمة السياسة» إذ أن منطق الإسلام السياسي بشكل عام لا يُعير اهتماما للشعوب بقدر ما يولي اهتماماته بتطبيق أيديولوجياته الخاصة بمبدأ الجماعة أو الحزب. لعل البعض يعترض عليّ بأن هناك بعض الجماعات الدينية قفزت قفزات نوعية.

واستطاعت أن تتحول إلى قوة سياسية تحمل اسم الدين ولكنها تمارس دورها كقوة مدنية، فالأحزاب «المسيحية الديموقراطية» التي تحكم عددا من الدول الأوروبية ليست أفضل منهم!! نعم.. ولكن بشرط رئيسي هو الربيع الفكري أولا، بعبارة أخرى الدولة المدنية الحديثة في الغرب لم تقفز قفزات افتعالية هكذا بشكل عفوي، بل كانت نتيجة تغيرات بنيوية للثقافة والفكر في المجال السياسي والاقتصادي، فالثورات الإنجليزية والأميركية والفرنسية كانت نتيجة انتشار الفكر التنويري، وهو ما سلب الرهبان سيطرتهم ولم يعد لهم نفوذ فكري أو سياسي بالشكل الذي كان لديهم سابقا.