آخر تحديث: 30 / 7 / 2021م - 8:48 ص

يوم دراسي

بثينة النصر صحيفة عكاظ

.. يسجّل حضورا متواضعا هنا كل أسبوع أبعد ما يكون عن الصورة النمطيّة الضيّقة الشّائعة عنه.. التي ربما يصدقها هو عن نفسه أحيانا...!

***

لملمت مدرّسة اللغة العربية أوراقها وحيّت طالباتها مغادرة الصف الدراسي. كان التاريخ على لوح الصف الأخضر يشير إلى أحد أيام شهر في عام من أعوام منتصف الثمانينيات من القرن المنصرم. ضجت الطالبات وتحركن من مقاعدهن الدراسية المصفوفة بطريقة عسكرية وحررت كل منهن جسدها لتتعاطى الدردشة مع زميلاتها. يضحكن ويسلين أنفسهن بإطلاق طاقة جامحة لعمر غض لا يتجاوز الاثني عشر عاما، تقيده أعراف الحصة الدراسية الرتيبة بالمجمل.

تأخرت عليهن مدرسة الحصة التالية ما يقارب العشر دقائق، الأمر الكفيل بأن يحفز ضجيجهن ليطاول مسامع الفصول المجاورة ويتخطاها إلى باب مديرة المدرسة العتيدة..! والتي فاجأتهن بدخولها الصف مؤنبة، غاضبة، تسأل: من هي المدرسة التي توجب أن تكون معهن الآن..!!!؟ أخبرنها، فغادرت متجهمة توصيهن بالتزام الهدوء واحترام أنفسهن..! التزمت البنات وانصعن للتقريع وأصبحن يتهامسن ويكبحن جماح قهقهاتهن على أمور تضحك من في أعمارهن عادة. حتى شتت ذلك الوئام وحوله إلى كابوس وصول مدرستهم يتطاير من عينيها الشرر..! صفعت بملفها مكتبها الصغير الذي يتوسط قاعة دراستهن الصغيرة والتي تحوي سبعا وعشرين مقعدا دراسيا مقسمين إلى ثلاث مجموعات، وطلبت منهن الوقوف ثم لوحت بمسطرة خشبية طويلة وطلبت منهن الشروع بمد أيديهن..!! مؤكد أن الوعد بالعقاب لن يستثني أحدا. حتى تلك التي كانت تغط في غفوة لا تعي ماذا يجري..! الطالبة الأولى مدت يديها مغمضة عينيها، وتلقت الضرب القاسي الذي يأتيها بصمت تكتم الآهات.

أما الثانية فقد كانت مترددة يدها تمتد وتنسحب مرتجفة، فهي لا تجرؤ على مدها وقد وعى دماغها ما أبلغه إياه مسمعها عن صوت الضرب الأليم الذي التقطه يطاول أطراف زميلتها..! الثالثة جهشت بالبكاء تستجدي، وتتمتم تقسم بأنها لم تصدر أي ضجيج!! كانت حالة انتقام واضحة هي ما تعاني منها المدرسة، ولا يبدو أن الألم يزيدها سوى رغبة أكبر في الاستمرار..! كن يتهامسن باستنكار، ما كل هذا اللؤم؟ حتى وصل العقاب إلى تلك الفتاة المحجبة بغطاء رأس أزرق والتي تركن عادة إلى الزاوية ولا تتحدث مع أحد، ولا تقوم بحل واجباتها، ولا تجيب على أسئلة المدرسات وهي على هذا المقعد منذ ثلاث سنوات..! قبل أن تمسها العصا، دوى صراخ فجع الجميع..!! كانت تصرخ بحرقة، كانت تمسك بيديها رأسها تضربه بالجدار بجنون، ثم هوت على الكرسي ومنه على الأرض تتعفر في حالة هستيرية جعلت الفتيات يهربن من جانبها والعصا الخشبية تسقط من يد المدرسة التي كسا وجهها السواد وملامح الرعب.! سألت بارتباك وصوت متهدج ما بها؟ هل هي مصابة بالصرع؟ وركضت تبلغ الإدارة... تقدمت فتاة وسقتها الماء، مدت أخرى يدها الملتهبة احمرارا من أثر الضرب بمنديل أبيض لها تمسح تعرق جبينها، أسرعت أخريات لإسنادها كي تنهض، منهن من مسحت على رأسها تتلو البسملة، ومنهن من سارعت لالتقاط حجابها لتغطي به شعرها الذي يرونه لأول مرة، مقصقصا بعشوائية بل منتفا..!.. عدن إلى بيوتهن في ذلك اليوم وعشرات الأسئلة المتفرعة تخالج فكرهن، ما خطبها زهراء؟ لماذا ترسب كل عام؟ هل بالفعل أمها متوفاة مذ كانت في المهد والتي أتت لاستلامها من المدرسة هي زوجة والدها؟ هل تلك السيدة هي من قصقصت شعرها؟ هل يا ترى مدرستهن والإدارة مشغولات الآن مثلهن على زهراء؟ كبرت الصغيرات، وكبرت معهن الأسئلة، ذنب زهراء في عنق من؟ خصوصا أنهن اليوم أمهات، لديهن فتيات في مثل عمر الزهور ذاك..!