آخر تحديث: 30 / 7 / 2021م - 10:20 ص

خياله.. نبوءة مستقبله!

بثينة النصر صحيفة عكاظ

عادت إلى مكتبها في مقر عملها في تلك المدرسة التي تنضح هيكلة بنيانها بالفخامة المتكلفة وهي محتقنة..!

وكل عصب من أعصابها يكاد ينفجر من التصلب...

وقفت أمام النافذة تطل على ملعب المدرسة تراقب الصغيرات وطاقة الفرح والأمل تشحذ حركة أجسادهن ومفاصل أعمارهن...

لا.. لم يفهمها أحد في الاجتماع قبل قليل...

رغم أنها اجتهدت في توظيف كل طاقتها لصياغة عرضها للمنهجية التربوية التي اقترحتها من واقع تخصصها الاجتماعي التربوي...!

.. ابتسمت كمن تتهكم على ذاتها...

بالطبع.. ماذا كانت تتوقع.. غير أن يواجهنها بالرفض والسخرية.. ثلة الناضجات البالغات العاقلات التقليديات المدجنات..!

«لا.. لا لن تنساق وراء الغضب جراء ما جرى..!!» حدثت نفسها، وأمواج التحدي والإحباط تتلاطم بداخلها....

ما قدمته الأخصائية كان عرضا علميا يؤسس لآلية تربوية توعي الطاقم التعليمي للتنبه لجريمة:

«فصل الصغيرات عن خيالهن بدعوى مساعدتهن على النضج..!»

فالنضج كمفهوم لا يتوجب بأي حال من الأحوال أن يجعلنا نمارس إجبار الطفل على التعلق بمعطيات واقع معد مسبقا..!

أو أن نقمع خياله من رؤية أبعاد أخرى تفرضها طبيعة عمره والزمن المتغير الذي يخول له رؤية ما لا يمكن أن نراه كبالغين إلا إن أعطيناه الفرصة ليشهدنا على ما يحمله أفقه اللامحدود من رؤى!

وإلا فنحن نعلق الخلق والإبداع على حبل المشنقة..!

عقول الصغار تتمتع بميزة أنها غير مقيدة بطبيعة الحال بكل ما ترزح تحته عقولنا «الناضجة» من أغلال مسلمات وقناعات واقعية قاصرة، قولبتها لنا تجارب خاصة بحتة.

توريث هذه الأغلال لهم، عن سبق إصرار وصرامة وتعنت، هو الجريمة.

فثقلها عليهم سيكون أقسى، فما نتفهمه نحن من الصعب بمكان، ومن الظلم بمكان آخر، أن ننتظر بمنتهى «الكِبر» ممن خلقوا لزمان غير زماننا أن يتفهموه بدورهم..!

قاطع أفكارها.. طرق الصغيرة نورة بابها، لتنفذ أوامر مربية فصلها، التي أرسلتها للإدارة بسبب مشاغبتها، فتم إرسالها لتجلس أمام حضرة مواطنتنا...

ــ مرحبا نورة تفضلي..

.. جلست نورة مطأطئة الرأس على الكرسي قبالة مكتبها..

أشارت لها أن تأتي بقربها عند النافذة.. وتجلب الكرسي لتقف عليه بمحاذاتها...

ــ سألتها: هل ترين ما أرى يا صغيرتي؟

ــ أجابتها بنعم، طالبات وملعب ونخلة كبيرة وسماء وشمس وغيوم....

ــ حسنا سمعت بأنك مشاغبة ومتمردة، شاغبيني الآن وتحديني أن تريني أشياء لا أستطيع رؤيتها...

.. اتسعت ابتسامة نورة فأضاءت روحها معها... وأخذت تجود بما تراه على ملامح كل طالبة وكل ما يجري بينهن.. اكتشفت مع الصغيرة أن هناك حيوانات مختلفة ترافق كل طفلة في حركاتها وسكناتها.. لا تراهم سوى نورة..!

وقهقهت حين همست لها بأنها ترى عنكبوتا أسود كبيرا يرافق مديرة المدرسة كل يوم!!

... والنخلة الطويلة ليست نخلة كما كانت تعتقد الأخصائية الاجتماعية.. بل سيدة عجوز طيبة شعرها يتطاير...

وأن الغيوم هي أحرف مبعثرة للغة جديدة لا توجد في أي مكان في العالم...

تفتحت أساريرها.. وانتعشت روحها.. وسرت قشعريرة حماس في بدنها.. واتفقت مع نورة على أن تساعدها.. إن وعدتها بأن تحافظ على هدوئها ورباطة جأشها أثناء حصصها التعليمية وأن توفر طاقة مشاكسة مدرستها، لمهمة أسمى..

وهي العزم على فك طلاسم لغة سمائها وترجمتها للعالم أجمع..!