آخر تحديث: 19 / 10 / 2021م - 11:17 م

يوم الجمعة الأسود

دكتور قصي الخنيزي * صحيفة اليوم

يوم الجمعة الأسود في الولايات المتحدة هو يوم الجمعة الذي يتبع يوم عيد الشكر، المصادف لآخر يوم خميس من شهر تشرين الثاني نوفمبر من كل عام، وليس له أية علاقة بيوم الإثنين الأسود ١٩ تشرين الأول أكتوبر ١٩٨٧ الذي شهد انهيار الأسواق المالية عالمياً. ويوم الجمعة الأسود في الأسبوع قبل الماضي في الولايات المتحدة الأمريكية، يعتبر بداية التسوق والتبضع لموسم الأعياد أي عيد الميلاد ورأس السنة الميلادية الجديدة، ويشمل منذ عام ٢٠٠٥ أكبر تخفيضات ومبيعات لمحلات التجزئة سنوياً.

وفي الأصل، تم إطلاق اسم الجمعة الأسود على اليوم الذي يلي عيد الشكر في أمريكا بولاية فيلاديلفيا في الستينيات لوصف الازدحام في يوم الجمعة، الذي يلي إجازة عيد الشكر في آخر خميس من شهر تشرين الثاني نوفمبر. ولكن ومع مرور الوقت بدأ تفسير يوم الجمعة الأسود يأخذ تعريفاً آخر، برابط اقتصادي، وهو ارتفاع أرباح ومبيعات محلات التجزئة، التي تتحول من اللون الأحمر في الدخل منذ بداية العام إلى اللون الأسود، على الرغم من أن التحول هو إلى الأخضر وليس إلى الأسود، ولكن قد يكون لوقوعه في الربع الأخير من العام، وقبل تقرير الأرباح السنوية وحساب نتائج العام ككل، سمي بيوم الجمعة الأسود.

وبغض النظر عن سبب التسمية، فإن المنافسة الشديدة بين محلات التجزئة ومراكز التسوق تؤدي إلى منافسة سعرية، وتخفيضات كبيرة نظراً لهيكل سوق التجزئة، مما يضيف قيمة إلى الاقتصاد ككل ولمختلف الأطراف. فنظراً لارتفاع الطلب، ولكون السعر أحدد المحددات الرئيسية لتفضيل سلعة على أخرى بناء على المرونة السعرية، فإن المنافسة بين محلات التجزئة في تخفيض الأسعار تؤدي إلى تخفيض هامش الربح الذي يتم تعويضه، بارتفاع الكميات المبيعة أو بأمور أخرى ككسب ولاء العملاء والزبائن، أو بيع ضمان إضافي أو غير ذلك. ولا تقتصر المنافسة بين محلات التجزئة على الزبون النهائي فحسب، بل تشمل المنافسة في كفاءة وإنتاجية الموظفين، إدارة المخزون، وشبكات التوزيع، وهي تتكون من عمليات غاية في التعقيد مبنية على نماذج علمية ورياضية. أما المستهلك النهائي فإن فائدته تنعكس بارتفاع «فائض المستهلك»، والذي قد يشير إليه التمكن من الحصول على سلع أكثر بنفس الكمية من النقود، إضافة إلى تنوع الخيارات وارتفاع مستوى الخدمات.

وبسبب هيكل السوق وطبيعته التنافسية في سوق التجزئة الأمريكي، فإن المنافسة في الأسعار والعروض تحتدم قبل مواسم الأعياد والمناسبات؛ لكون هذه الفترة هي فترة المفاضلة بين محلات التجزئة المتنافسة، وكذلك الحال في الأسواق الأوروبية، بينما الحال عموماً يختلف في سوق التجزئة في المملكة. فمحلات التجزئة في المملكة تلجأ إلى التخفيضات والمنافسة السعرية في فترات الركود، كالفترة التي تلي عيدي الفطر والأضحى المباركين، أي أن ردة الفعل التسويقية في تجارة التجزئة بالمملكة هي معاكسة لمنحنى الطلب؛ لتحفيز المبيعات حين ينخفض الطلب الكلي مقارنة بالفعل التسويقي في أوروبا وأمريكا، الذي ينشط وقت ارتفاع منحنى الطلب الكلي لدعم المبيعات. فلماذا هذا التباين بين تجارة التجزئة بين الغرب والمملكة؟.

هناك عدة احتمالات وتفسيرات لكون سوق التجزئة عموماً في المملكة، تلجأ إلى التنافس السعري على المستهلك في أوقات الركود، منها أن هيكل سوق التجزئة في المملكة يغلب عليه الاحتكار والتكتلات، أن العرض من محلات التجزئة لا يلبي الطلب الكبير، أو أن سلوك المستهلك في المملكة، لا يتجاوب مع المنافسة في أوقات ارتفاع الطلب؛ نظراً لتفضيلاته الاستهلاكية وولائه لمنتجات معينة. وعلى الرغم من أن السبب قد يكون خليطاً من هذه الأسباب كلها، إلا أن السبب الأول المتمثل بهيكل سوق التجزئة، وخصوصاً دور الوكيل التجاري الحصري أو العمل بنظام الامتياز قد يكون الأكبر تأثيراً. فعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك ثلاث سلع رئيسية متنافسة في بلد المنشأ، بينما حصل الوكيل الحصري علي الامتياز لهذه السلع الثلاث في السوق السعودية، فإن وجود منافسة حقيقية بين السلع الثلاث يعد أمراً مستبعداً؛ لكون المالك للسلع الثلاث أو العلامات التجارية الثلاثة هو نفس الشخص، والذي يغيب عنده في هذه الحالة حافز المنافسة.

وأخيراً، قد يكون ظاهر السوق المنافسة، ولكن واقعها التكتلات التي قد تؤدي إلى تعطيل آليات السوق الحرة، مما يحتم الأخذ في الاعتبار مستوى المنافسة في كل قطاع على حدة على المستوى الجزئي. وكما وجدنا تبايناً بين آليات عمل السوق الحقيقية، قد نرى تبايناً بين السوق السعودية، وغيرها من الأسواق الافتراضية حين يرتفع استخدام التجارة الالكترونية، خصوصاً مع انتشار يوم الإثنين الافتراضي «Cyber Monday» وهو يوم الإثنين الذي يلي عيد الشكر في الولايات المتحدة، ويسجل فيه أكبر حجم مبيعات على الإنترنت خلال العام، فمن فاته يوم الجمعة الأسود يستطيع التبضع إلكترونياً في يوم الإثنين الافتراضي.

كاتب وباحث اقتصادي