آخر تحديث: 30 / 7 / 2021م - 10:20 ص

قلب الخال

بثينة النصر صحيفة عكاظ

لقد بلغ الثامنة عشرة هذا العام. أراقبه اليوم بصمت، أحيانا أشعر وكأنني أقرأ أفكاره....

بدأت حكايتي معه، أي مع ابن أختي، حين ذهب ليؤدي فريضة الحج مع والدته قبل سنتين.

وبعد عودته، وخلال فتره وجيزة، قرر أن يقيم وليمة بمنزلهم ويدعو بعضا ممن كانوا معه في حملة الحج.

كنت صدفة متواجدا هناك، وأخذني الفضول لأتعرف على رفاقه، فكانت المفاجأة..!!

أصغرهم كان في الأربعين من عمره...

استوقفني ذلك، وبقلب الخال ساورني شعور بضرورة ملازمتي له، وأن لا أتركه معهم وحيدا...

من هؤلاء الذين لا يخجلون أن يلبوا دعوة لوليمة دعاهم لها طفل في سن أبنائهم..؟

بعد خوض نقاشات وأحاديث معهم، هرعت لأختي وزوجها مذعورا...!

ولأنبههم لما يجري..

أخبراني بأنني موسوس، إذ أتخوف من أناس يخافون الله وعلى درجة عالية من الالتزام.

كل جهودي لم تفلح وأنا أحاول أن أشرح لهما بأن هنالك من يرسم لاختطاف الولد إلى عالم مشبوه..!

***

لم أنم ليلتها، وصباحا قررت أن آخذ الموضوع بجدية.

أصبحت لمدة أسبوع أرافق ابن أختي إلى أغلب مشاويره دون أن أشعره بأن هنالك خطبا ما...

وبدا جليا بأنه لا يريدني أن أعرف عنه شيئا. يتضجر من قربي، ويصمت بشكل مريب في أغلب الأحيان.

ثم اكتشفت بأنه حين كان يتهرب مني، كان يذهب لندوات واجتماعات في المنطقة البرية على أطراف المدينة..!

كان لا يخبرني عنها ويتكتم عنها أمام والديه، كمن سيذهب لارتكاب أمر محظور أو غير لائق.

تحدثت وأختي وزوجها مرة أخرى.. لكن دون جدوى.

«دع الشاب في حاله، الله يثبته ويوفقه»..

لكن أختاه، هذا الطريق شائك جدا ونهايته معروفة ولا تحمد عقباها..

كان جوابهم «قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا»..!

أعترف، شعور بالاستياء الشديد ساورني.. فقررت أن أهدأ.. وأتركهم وشأنهم.

***

بعد أسابيع، قمت بعمل وليمة عشاء في منزلي، لأخوتي وأرحامي بحضور الأبناء...

على العشاء لاحظت أنه كان يخاطب إخوته بعنف ظاهر حتى في صيغة المزاح،

فتعمدت أن استفزه ممازحا أنا أيضا، فكان أن نطق لي «اصمت وإلا فجرتك»..!

سألته، هل هذه هي اللغة التي تتعلمها في تلك المخيمات؟

رد علي بنظرة مخيفة: «هم أهل خير وأنت من أهل الفساد والكفر».

لم أتمالك نفسي، فصفعته..!!

استشاط المراهق غضبا..

«لقد أخبرتهم عنك وكيف تلاحق تحركاتي وتريد أن تبعدني عن طريق الله».

«اهتم بشؤونك الخاصة».. وقالها مهددا كطفل أرعن.. «ولعلمك عنوان منزلك لديهم»!!

.. هنا استذكرت حين حادثني قبل أيام باتصال مريب يسألني إن كنت موجودا بالبيت...!

استذكرت أيضا السيارة الغريبة التي كانت تقف قبالة بيتي يومها وبها مجموعة من الملتحين...!

كم كنت ساذجا..

حين اعتقدت بأنه اشتاق لخاله وأراد الاطمئنان عليه.

دوار، عصف برأسي أخذني لذاك الطفل الشقي يسارع لأحضاني..

استذكرت فرحتي الغامرة بكلمة «خالي» في كل مرة كان ينطقها....

نظرت إليه، لا يزال ذات الطفل، كيف جردوه خلال أسابيع من الأخلاق والأحاسيس، وحولوه لهذا الخبيث الواقف أمامي.

... أخذت نفسا عميقا، واستعنت بالله، لن أصفعه مجددا..!

لكني ورب البيت لن أسكت، أبناؤنا أمانة في أعناقنا، ومكانهم الجامعات وحقول العمل وإعمار الوطن، لا أعشاش الدبابير.

توجهت للأمن بعدها وبلغت دون تردد..

كان علي إنقاذ ابن أختي قبل أن يضيع في أحد كهوف تورا بورا.