آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

كل الجهات يسار !!

نذير الماجد صحيفة الشرق

لن أكون تقريرياً وثوقياً حين أحيل البوصلة اليسارية إلى مرض بالشك، مرض ارتيابي من كل مصادر القوة والمتن، وطعن ضد كل تهريج لا يبصر إلا بعين واحدة، أما الأكثر يسارية من بين كل الخواص فهي الضمانة والحيلولة دون وضعية النعاج، ولكن أيضاً ضد كل انتصار نهائي.

قدر اليسار هو أن يفشل، ربما ليجدد ذاته، ليضخ في جغرافيا المكان دماء جديدة ليسار جديد، الفشل صديق اليسار لحمايته من لعنة الانتصارات المفضية دائماً إلى «يمين». يخفق اليسار بانتصاره الكامل، اليسار هو الشق الشعري من التاريخ، حلمه المقوض والمرجأ دائماً، يمنح مرارة الإخفاق جمالية الموت لبطل ينتصر بخسارته وموته، تتحول الثورة إلى ملحمة شعرية، والمناضل إلى بطل ثم إلى أسطورة، والتاريخ إلى تاريخ هذا الفشل نفسه: فشل سبارتاكوس قائد العبيد الذي انتفض ضد روما، فشل ثورة الزنج، فشل القرامطة، فشل الثورة الفرنسية «بتحولها إلى عهد إرهاب وثورة تأكل أبناءها»، فشل كومونة باريس «لرامبو، الشاعر الفرنسي، قصائد عديدة يرثي بها أبطال الكومونة ويسخر من أعدائها»، وأخيراً وليس آخراً: فشل ثورة أكتوبر في انتصار مدوٍ للموقع النقيض الذي يراه البعض تتويجاً أو انتصاراً أو «نهاية للتاريخ».

ومثلما يواجه اليسار سلسلة من الفشل والاخفاقات في التاريخ، فإنه يواجه خيباته في الحاضر.. مناهض اليسار وخصمه الدائم كان على حق باتهامه لغريمه التاريخي بالسذاجة والطوباوية الحالمة، اليساريون ساذجون مكانهم الحلم ومصيرهم الخيبة.. لقد صدّق البعض من اتجاهات اليسار مزاعم أوباما، المعجب بادوارد سعيد، حول التغيير والحد بأكبر قدر ممكن من امتيازات الأقلية المستأثرة لصالح دولة الرعاية والرفاه الاجتماعي وكل ذلك ضمن سياسة تميل لصالح اليسار، لكن أحلامهم باءت بالفشل والخيبة.. أما هولاند الاشتراكي الذي بدأ عهده بدعاية تدغدغ مشاعر اليسار بخفضه من نفقات الرئيس وكل مسؤول حكومي من الدرجة الأولى، فإنه يكاد أن يكون نسخة باهتة عن اليمين في سياسته الداخلية والخارجية على حد سواء.

أما صوت الانتصار الوحيد في جوقة الفشل فقد كان لنيلسون مانديلا، فهو وحده «نصف المنتصر» إلى جانب القليل من بؤر التمرد هنا وهناك. هذا الرجل نموذج ملتبس ليساري خجول، لم يفصح عن انتمائه الشيوعي إلا بعد موته، ففي حين نجده مترددا في سيرته الذاتية «رحلتي الطويلة من أجل الحرية»، يعلن الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا وبصيغة احتفالية عن انتماء البطل الأيقوني الذي باركه العالم الحر أو تفضل عليه بصكوك غفرانه. إعلان الحزب لم يكن عن عضوية «الرفيق» نيلسون مانديلا، مثل أي رفيق آخر وحسب، بل كان الرجل عضوا في اللجنة المركزية..

وكأن النضال ضد التمييز العنصري ليس له أن ينجح إلا من مواقع مترددة، إن لم تكن غير يسارية بالمرة. انتصر نيلسون مانديلا إذن، نصف انتصار ونصف هزيمة، لم يكن انتصاراً ضد النظام العنصري في جنوب إفريقيا، بقدر ما كان صفحة جديدة في سيرة الفشل، حيث انتصرت الأيقونة بتحولها إلى رمز عالمي، وأخفق الخطاب في تحوله إلى ممارسة أو برامج سياسية تستهدف الإنسان والتحرير والعدالة الاجتماعية.

لم يفشل اليسار؟ وهل يعني ذلك تصديق هراء «فوكوياما» وترهاته حول نهاية التاريخ والانتصار الكلي والمحقق للقيم والحضارة الغربية «البرجوازية»؟ من الواضح ظهور الفشل في كل مرة يخون فيها اليسار ذاته، أي ذلك الموقع المتحول الذي يتحدد جوهرياً بصفته موقفاً احتجاجياً نقدياً حتى ضد ذاته، كما يظهر الإخفاق والتهافت في كل مرة تتسع فيها الهوة الفاصلة بين الممارسة «البراكسيس» والنظرية التي دون أن تتحول إلى مثال «محايث» كما يمكن أن يقول أمثال «آلان باديو» و«دولوز»، تتقلص إلى صنم «مبادئ أو مفاهيم ناجزة وشمولية» أو تتسع إلى ميتافيزيقيا فضفاضة ليس لها في الواقع وعلى الأرض موطئ قدم.

لكن تحديداً مع «آلان باديو» الفيلسوف اليساري الفرنسي، يمكننا القول وفي صيغة «المفارقة»: يفشل اليسار لأنه مثالي!، يتغذى اليسار من إحباطه بالذات، الفشل تأكيد للمثال وليس نفيا له، حين تفشل الممارسة تتسع النظرية، تتحرك وتغادر موقعها المألوف، يصبح «المثال» في مكان آخر، «المثال» قرين «الحدث»، ولأن الحدث مباغت، فسيبدو المثال متحولاً، وكأنه في حالة تخارج دائمة..

هنا «أفلاطونية» جديدة تنبثق، يسميها باديو أفلاطونية المتعدد.. يشعر آلان باديو بحاجة ماسة إلى استعادة مثال أفلاطون لتعريف اليسار الذي يفشل دائماً، اليسار هنا عراب تاريخي لتغيير مستحيل دون مثال.. دون حلم.. دون إدخال الشعر وما ندعوه بالمثاليات في الفكر، أي في الكيفية التي نعاين بها واقع الكآبة والخيبة والفشل، لا يمكننا أن نهز الواقع دون يوتوبيا، دون مثال أفلاطوني يجعل من «الواقع» حاضنة لكل الإمكانات، يسمح بتمديد الواقع والمعطى التاريخي ليتسع للمثال والأحلام «لكي نستبق عقليا أو أيديولوجيا، مسألة خلق ممكنات جديدة، يجب أن يكون لدينا مثال.. المثال - يقول باديو - هو دائما إثبات مفاده أن حقيقة جديدة شيء ممكن دائماً».

كل الجهات يسار لأن هناك من يقيم تحويلا للمادة، بحيث تحتضن المثال، كما يزيح اليسار عن أن يكون أيديولوجيا «محددة» أو نعتا، ليصبح موقعا أو خطا لا يمقت الأيديولوجيا بالضرورة بقدر ما يزيحها ويتحول بها في سيرورة يسارية دائمة.. هل هي طوباوية؟ لتكن.. هل هو تفاؤل مفرط؟ ربما.. لكن الأكيد أنها رؤية تكره كل وقاحة استئثارية على مر التاريخ، وكل هيمنة لها ألف وجه وألف ذراع مثل أخطبوط.. كما لا تكره «رائحة» الفقراء!