آخر تحديث: 1 / 8 / 2021م - 12:58 ص

الطائفية بدعة وقى الله الإنسانية شرها

منذ اندلاع سلسلة الأحداث في المنطقة، ونحن نعايش واقعاً مريراً، مشحون بالأقاويل والممارسات الطائفية والفتن المذهبية، فكم تألمت الروح من تلك التراكمات السامة والمزعجة حد الموت، وللهروب من هذا الواقع عادة ما أنئ بذاكرتي نحو طفولتي.

هذه المرة قادتني ذاكرتي بالضبط للصف الخامس الابتدائي، تلك المرحلة التي لم أشعر فيها بكلل الدراسة ولا مللها ولا تعقيداتها ولا بتفاصيل من كتب التاريخ ولا من رسم الجغرافيا، ومن ابتدع القراءة والكتابة، كل ما أفقهه الحب، المرح واللعب والتعلم بفرح وسعادة مع قريناتي.

لم نكن يوماً طائفيين:

لميعة مدرسة الدين الحنونة من سكان مدينة الدمام، الرفيقة دائماً بطالباتها، كانت تحفظنا الحديث في الحصة وتشرحه بلطف شديد حتى يخترق أفئدتنا، حتى باتت أحاديث منهج الصف الخامس حاضرة جلية عند استجلابها من أكناف الذاكرة.

كانت تؤكد على الحديث «لا فرق بين عربي وعجمي إلا بالتقوى» بأنه لب العدالة الانسانية والميزان القويم ضد التمييز والطائفية، كانت تعاقب بحزم أي ممارسات عنصرية ومذهبية وفوقية وتكرر وتدعنا نكرر من وراءها «لا فرق بين عربي وعجمي ولا أبيض ولا أسود.. ألخ».

وهكذا هي معلمة الرياضيات مريم، وكذلك نورة، مباركة، وفاطمة، جميعهن طيبات وعطوفات، حتى عشقناهن وعشقننا وبتنا نتبادل الزيارات والمكالمات التلفونية، والهدايا، وأبعد من ذلك نتبادل الصور الفوتوغرافية، هكذا كانت العلاقة الجميلة الصادقة والواثقة بين معلماتنا السعوديات «السنيات» رغم بغضي لهذه المفردات، لكن توضيح المراد؛ يلزمني بالتصنيف المذهبي.

لم أكد أصل للثانوية العامة إلا وتصدمني المماحكات والسجالات والتراشقات الطائفية وتبادل الاتهامات، وبدأت بذور الفتن والتفرقة بين أبناء الأمة الواحدة لأسباب سياسية بحتة لا ناقة لأبناء الأمة ولا جمل، فتخلقت من براثنها بدعة الطائفية المقيتة وقى الله الإنسانية أجمع شرها.

كما لا تفوتنا الروابط الأخرى من جيرة وزمالة وصداقة ومحبة وتلاحم وشراكة في مجملها؛ من تجارة وزراعة وصيد وغيرها ولا أتصور أحداً في القطيف أو الأحساء أو غيرها من مناطق القطيف ليس له صديق من محافظة الدمام أو باقي المناطق والعكس صحيح.، لا أثر كان لطائفية أو تعصب أو مقت للآخر، ولكن قاتل الله الفتن ما ظهر منها وما بطن.

لا شك أن هناك مشكلة حقيقية مستمرة ومستشرية، تعيق خلاصنا من رحم هذا الواقع السقيم على كل الأصعدة، الواقع الخطير الذي بدى واضحاً وجلياً ومندداً إلى كوارث بشرية، ولنا في ذلك إرهاصات المآسي في لبنان والعراق وفلسطين بين فتح وحماس وما جرته من ويلات واسعة المدى بشرية ومادية، عجزت كل السبُل على سد إربها، مما جعل العودة للخلف شبه مستحيلة، وعلينا أن نواجه هذه الكوارث ومن يخلقها جاهلاً أو متعمداً أو الاثنين معاً، لجر الأمة برمتها للدمار والخراب، والرابح الأكبر هنا أعداء الأمة الإسلامية والعربية بل الإنسانية أجمع.

ماذا نحتاج لرأب الفتن:

في وقتنا الحالي الذي تتزايد فيه مشاهد الشحن الطائفي والإصطفافات المذهبية وما آل اليه حال أمتنا الإسلامية والعربية، وما تعيشه من رهانات حرجة، وظروف قاسية، وأعداء متربصون؛ لاستثمارها بما يخدم مصالحهم، فلا بد لنا من خطوات مبادرة في طريق بناء وترميم جسد هذه الأمة، التي نسأل الله لها التوفيق والسداد، أنه نعم المولى ونعم النصير:

1 - على العقلاء من كل أرجاء المعمورة بالتلاقي والتفاهم والتكاتف ووقف كل أشكال وأساليب الشحن الطائفي الموبوء، والمتنافي تماماً مع مبادئ وقيم الإسلام السمحة ومحاربته ومواجهة منابعه وبؤره لتجنب المنطقة ويلات الحروب الأهلية.

2 - تعبئة الواقع بالثقافة العميقة التي تهدف إلى تنمية الجوامع المشتركة من رؤى وتصورات قادرة على استنباط الحلول والسبل لعلاجها، والمزيد من الوعي لتفكيك العقليات والثقافات التي تغذي الفتن والشحن الطائفي وإبطال فتيلها.

3 - تجاهل وتجاوز كل أنماط الفرقة من سجالات مذهبية واتهامات متبادلة ومفردات تكفيرية وإزالة انعدام الثقة ما بينهم.

4 - صياغة وثيقة صريحة وواقعية للتلاقي والتفاهم على قاعدة المواطنة المتساوية في الحقوق والواجبات.

5 - الإسراع بالخطوات المذكورة آنفاً من جميع الأطراف وتوضيح الرؤى تجاه المشكل القائم والإسراع بالإسهام في ابتكار الحلول.

الخاتمة:

رغم صعوبة الوضع الراهن، والعوائق الممانعة لخط الإصلاح والتغيير، وعلمنا بمدى صعوبة اقتلاع الطائفية، أو إصلاحها وتفتيتها ليس بالأمر السهل، لكننا لن نجد لعائق اليأس والإحباط من سبيل في مقامنا هذا، والأيام تشهد أن الأمة تملك روح عظيمة، تؤهلها للنهوض والشفاء، من ظواهرها السلبية والمعيقة لتقدمها وتقهقرها، وتمسكها بالحل الأسلم والأنفع وهو التسامح، والتجاوز عن كافة الإشكالات العرضية والهامشية، في وقت لا مجال فيه للصراعات والتناحرات والخلافات، بل توثيق جسور العلاقات باللحمة والتماسك لمواجهة تلك التحديات الحضارية، والحروب والأخطار المتربصة بواقعنا ومصيرنا، ولكل مرتزق ومطبل وجاهل وحاقد ومثير للفتن والخلاف الخسران المبين بلا شك ولا ريب، فمزابل التاريخ بإنتظارهم.