آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

عقدة الاستكمال حين تغدو فقاهة!

نذير الماجد صحيفة الشرق

النص والتفسير الحرفي يزيحان العقل والتأويل، هذه هي السمة التي تلاحظ عند تشريح العقل الديني بشكل عام، ولكن من الظلم تعميمها على كل التيارات الفكرية العقدية والفقهية. هناك من الباحثين من تمكّن من تشكيل مقاربة أقرب إلى الإنصاف حول تاريخ التفكير الفقهي والعقدي في الإسلام الذي هو الأشد تمركزاً من بين الأديان حول النص. الملاحظ هو وجود نزعة اعتزالية تقابل النزعة النصية التي تشكلت منها مدرسة الحديث، ولكن هناك تمفصلاً أكثر وضوحاً ومنهجية، سنجد مدرسة العقل التي تمثل الاتجاه الفلسفي، وهي المتهمة بانشداد صنمي آخر وفقاً لخصومها أي أننا هنا بإزاء صنمية مغايرة لتلك التي تكتنف النص، هي صنمية العقل. لكن هذه المدرسة تشترك في إمكانية التأويل مع اتجاهين آخرين: الاتجاه المدرسي «أهل الكلام» الذي يوظف العقل ولكن تحت مظلة النص، والاتجاه العرفاني الذي يلتزم منهج الإشراق ويستبطن النص ليستخرج منه دلالات «غنوصية».

في مقابل هذا النزوع نحو التأويل الذي يجمع بين الاتجاهات الفكرية المحتضنة له، أي الاتجاهات الفلسفية والكلامية والعرفانية، سنعثر على أتباع التفسير الحرفي الذين سيشكلون فيما بعد المدرسة الظافرة للفقه الشرعوي، وهي التي تتسم بتأصيل صارم للقانون أو الفقه، بيد أنها وفي استفحال شرعوي مضاعف تجنح لاختزال الدين ليغدو مجرد سلسلة أحكام جزئية يجب أن تراعى بدقة وصرامة، بل إن جوهر الخلاص يكمن في هذه المراعاة الدقيقة لكل تفاصيل المنجز الشرعوي، إن أقل إهمال من شأنه أن يؤدي إلى الحرمان الأبدي وغضب الله والجحيم، وبالتالي تصبح النمذجة هي التقيد الحرفي بتعاليم وأحكام الفقه: إذا أردت الخلاص والفضيلة فما عليك إلا أن تتماهى وتتحرك كدمية وفقاً لإيقاع شرعوي آلي، أما الإيمان ومعه الإرادة فمستبعد كلياً، وتبعاً لذلك تستبعد المعرفة والمقاصد والحكمة وبالتالي العقل.

ومع أن هذه المدرسة تميل إلى أن القانون الديني قانون اعتباري وليس واقعياً، أي أن المشرع الديني اتفق على وضع جملة أحكام وقوانين بشكل اعتباطي ولغايات معينة، إلا أنها تتجاهل هذه الغايات لأنها ليست معنية بمقصود المشرع وإنما بمنطوقه، والنتيجة مزيد من التأطير والتحجيم للإنسان والعقل من خلال الشح في الخيارات وتقليص هامش الإرادة، وهكذا تتكون ذهنية التحريم المتأرجحة بين دائرة الحرام ودائرة الواجب، فيما ستضيق دائرة المباح بصفتها بعداً مضافاً أو طارئاً، إن الأصل هو التحريم وكل الطقوس التي يلتزم بها المرء ما هي إلا «طقوس عبور» تستهدف الانتقال إلى ضفة الحرم الديني.

الواجب والمحرم يشتركان في النفي، فما هو واجب ليس سوى تحريم للترك. والدين في صورته البدائية ليس سوى ذهنية تحريم، فالديانة وفق تعريف عالم الاجتماع إيميل دوركايم، هي «تلك المجموعة المتماسكة من العقائد والفرائض والأعمال المتعلقة بالأشياء المحرمة» ومع أن هذا التحديد يقصر التصور الديني على الجانب الطقسي والاجتماعي دون التجربة الذاتية الفردية، إلا أن له نجاعة كاملة في تفسير ظاهرة الفكر الديني الشرعوي بما هو امتداد لشكل ديني بدائي مسكون بالتحريم. وهو تحريم ناتج عن الخوف والخشية الدائمة من الأشياء فيما يتصل بالجماعات البدائية تارة، والجهل بالنص نفسه فيما يتعلق بالمهوسين بالتحريم تارة أخرى.

ثمة عوامل أخرى تساعد على ترسيخ ذهنية التحريم، فإلى جانب غياب الحس النقدي والمعرفة التاريخية للسياق الثقافي للنص نجد كيف تعمل «عقدة الاستكمال» على تفاقم واستفحال العقل الشرعوي، فما من شيء إلا ويجب أن يشبعه الفقه تمحيصاً وتفتيشاً بالمشروعية الدينية، عقدة الاستكمال ترغم الفرد على تتبع رأي الفقيه حتى في الواقعة الجزئية، أي الموضوع في لغة الفقهاء، وفي هذا ما يكفي لتجميد ملكة التفكير عند الفرد القابع في إسار العقل الشرعوي، ولأن اكتشاف حكم المواضيع هو في نهاية التحليل فعالية اجتهادية محتكرة لدى رجال الدين من الفقهاء فإن أي فعل يجب أن يحظى بموافقتهم التي دونها يصبح الفعل مفتقداً للشرعية، هنا تتضافر عقدة الاستكمال لدى الفرد مع تغييب العقل في تعميم الحكم الكلي، لينتج في الأخير ذلك الإنسان المتردد الحائر الذي كل همه هو ألا يتورط في فعل الحرام.