آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 10:10 م

أمنيات باخوسية «2»

نذير الماجد صحيفة الشرق

يرتبط باخوس بالفرح والتدمير وربات الفن. المرأة عنصر جوهري في طقس لا يكتمل إلا بتأنيثه: عابدات يحملن أغصاناً مسننة وسكاكين، ينظرن للأعلى ويرقصن مأخوذات بنشوة صوفية ولذة ممزوجة بعنف. ويقدمن القرابين ثم يلتهمنها فيما يشبه وليمة طوطمية.

ثم إن الفرح يمتزج بشيء من الضغينة. إن الكاهنة «الراقصة» والمبتهلة إلى باخوس هي وحدها التي تدرك اللغز. أين يكمن الخلاص؟. كيف نحيا الوجود،. كيف نواجه الزيف والخداع؟. كيف ندمر الأمنية ونعيش اللحظة؟. كيف نساير التاريخ ونفتتح عصرنا الذهبي؟. وحدها الباخوسية الحكيمة التي تمنحنا القدرة على تفكيك «الهيروغليفيا الكوميدية» التي نشهدها بشكل يومي في كل مكان. وحدها القادرة على مواجهة الغش وكل خطابات الزور.

العابدة الباخوسية وحدها ترقص مبتهجة وهي تنثر السكاكين. ولا تحفل بالرومانس الأبله. ووحدها التي تدرك أن المحبة تستدعي الضغينة، وأن الطقس المكتمل هو ذلك الذي يحثنا على تناقض: أن نوزع الأقداح ثم نضرب بسكين. وليذهب الابتذال والتفاؤل «الفلكي» إلى الجحيم.

غير أن لهذا البطل الباخوسي شخصياته المتنوعة، فإلى جانب باخوس المبتهج، وباخوس العنيف، وباخوس المأخوذ بالوجد الصوفي، ثمة باخوس فنان يضفي على الطبيعة بعدا ثقافيا، بعدا تحويليا، بحيث يبدو رمزا ميثولوجيا للتحويل والصيرورة، فكل شيء ينبغي أن يتحول، أن يصبح غير ذاته، متجاوزا الانحباسات التي يفرضها منطق الهوية الثابتة والجوهرانية.

ليست الباخوسية إذن سوى إدمان التحويل: العقل يصبح جنونا، والطقس ذاته يصبح فنا ورقصا وثورة وابتهاجا فريدا من نوعه، على هذا النحو يخبرنا «يوريبيدس» في «عابدات باخوس» المسرحية الوحيدة التي تسرد لنا ملامح الطقس، عن ذلك السهل الذي «يفيض باللبن، يفيض بالأقداح، يفيض بشهد النحل». ثم تقع المعجزة: باخوس يضرب الأرض فتتفجر الينابيع.

لكن التحويل يتجاوز مظاهره نحو كنهه وجوهره. إن باخوس بطل التحويل هو بطل الصيرورة، الأشياء لا «تكون» في الوعي الباخوسي وإنما «تصير»، كل شيء يصير إلى ما ليس هو إلا اللحظة، يقدم باخوس ذاته كمخلص ولكن ضد الخلاص، فالباخوسية نقيض للتمنيات واليوتوبيا والأفراح المؤجلة.

التماهي الباخوسي باللحظة دلالة على وجود حقيقي، الذين يدركون مزايا اللحظة دون تمنيات أو أوهام هم وحدهم الأحياء، هكذا ينطق الكورس في مسرحية «عابدات باخوس» للمؤلف الإغريقي يوريبيدس: «ما زالت هناك آمال لا حصر لها لأشخاص لا حصر لهم. فالذي يقضي حياته سعيدا يوما بعد يوم، أعتبره أنا سعيدا».

لم يخطئ يوريبيدس حين أنطق الكورس المؤلف من عابدات تقيات لباخوس تلك الوصية الأم للأخلاق الباخوسية، فالسعادة المثالية هي السعادة اليومية ولا شيء آخر، السعادة المتولدة من رحم اللحظة، إنه رهان على «الآن» المعاش الذي يتبخر بسرعة، من هنا أمكن ليوريبيدس صياغة الباخوسية ضمن قالب تراجيدي، فالباخوسية بهجة متوحدة مع العالم والطبيعة والجماعة الكامنة في دلالة الكورس، بهجة من نوع تراجيدي التي هي في جوهرها محاولة خلاصية لكسر قيود وحواجز العقل والتقاليد وصولا لتوحد كلي، حيث يصبح الكورس وباخوس ذاتا واحدة.

هكذا يستطيع المتلقي وبثقة خالصة تأويل الطقس كبهجة تراجيدية لا تتعالى على الألم، بل تحيله إلى ضرورة نغمية، ضرورة إيقاعية - إن جاز القول - لحكيم راقص يعرف كل عورات العالم وتسكنه الآلام النبيلة، ولا ينفك يشيح بوجهه، يتعفف ثم يأخذ بالرقص. ليس الرقص على الألم كطائر يتعذب، وإنما بالألم وفيه وداخله.

هناك شكلان بغيضان يتوجب وضع حد لهما: الفرح المحض والحزن المحض. الطقس الباخوسي يحمل طبيعة طاردة للتجريد، لا يفوت الباخوسية إدراك التماهي بين هذين الشكلين المتنافرين، ليس الحزن المحض إلا وجه آخر لسعادة ساذجة تتغافل عن الكم الهائل من الألم والتعاسة، أما الفرح الحقيقي - كما يعبر أوفيد - فهو دائما ذلك الفرح الممتزج بالحزن.

علينا أن ندرك الباخوسية كديالكتيك انفعالي، تركيب من انفعالات تأخذ على عاتقها باستمرار في كل لحظة وفي كل عام «تجديل» الفرح بالحزن والحزن بالفرح، المزيج هنا مزيج إنساني مفرط، مزيج فوق إنساني، يأتي كمواجهة لثقافات تسودها الانفعالات البسيطة والمطلقة، يمكن القول إذن أن المزيج الباخوسي يبرز كوسط ثالث دأبه احتضان الشكلين النقيضين: ثقافة متفائلة تدشن أعوامها الجديدة بأعياد الفرح، وثقافة متشائمة لا تنفك تزاول مناحاتها الأزلية مدشنة كل عام بالاحتفالات الجنائزية.

لا يعتزم الباخوسي تقديم بديل، كأن يكون تقدميا بإزاء المتشائم أو العكس، كما لا يجترح تلك التمنيات البسيطة كما عودنا خبراء الأبراج الفلاسفة أو الكهنة أو الفلكيون، التمنيات الباخوسية نقيض ومجابهة ضد التمنيات المحافظة الجبانة المتشائمة والتخاذلية، ولكنها أيضا وبالمثل ضد التمنيات التقدمية المسكونة بالآمال البسيطة وترسيمات المستقبل الخادعة، الباخوسية وهي تنأى بنفسها عن كل ذلك، تأخذ من التقدمية هوسها التغييري ومن التشاؤم واقعية الألم.