آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

الأخلاق.. حين تخون ذاتها

نذير الماجد صحيفة الحياة

ثمة اتجاهان أساسيان في الفلسفة الأخلاقية: أخلاق الواجب، وأخلاق المتعة. يؤكد الاتجاه الأول على القانون، فيما ينحاز الآخر إلى الحرية، ليس بمعناها السلبي، بل بالمعنى الإثباتي الكامن في تحقيق الرغبة، كما نجدها عند الأبيقوريين الجدد، شأن الفيلسوفين الفرنيسيين جيل دولوز صاحب «منيفستو» الرغبة، بصفتها أصلاً، ومضموناً ومادة يجب أن تحكم الخطاب الأخلاقي برمته، وميشيل أونفري الذي يفصح جهاراً عن انتمائه «الأبيقوري».

ليست الأخلاق الأبيقورية بصفتها متعة تحللاً أو إباحية. هي خطاب أخلاقي يبجل اللذة ويعلي من شأنها ويمنحها مركزية في منظومته، لكنها لم تفعل ذلك إلا بعد أن أزاحت اللذة من تعريفها المادي، نحو آفاقها الأكثر معنوية وسعة وعمقاً، فاللذة هنا في شكلها التأسيسي عند الفلسفات الهلنستية تتخذ شكل «بنية تراتبية» تتقلص فيها الغرائز المادية بشكلها المحسوس، لمصلحة ما هو معنوي نبيل، بحيث يبدو المركز هو المعنى، هو الروح. أما الخطاب الأبيقوري المعاصر فسيحيل اللذة إلى لذائذ، وكما هو شأنه دائماً، ستبدو اللذة مضموناً أخلاقياً تعددياً، ستصبح، ولاسيما مع «جيل دولوز»، لذائذ ورغبات دون تراتبية أو مراكز: دع الأخلاق تتدفق، هكذا كان يقول في وصيته الأخلاقية الأم.

ما يميز «الأبيقورية» في شكلها التأسيسي أو في شكلها الحديث، هو أنها أخلاق مادية، ليس بالمعنى المادي الفاقع والفج، بل بمعنى أنها أخلاق تتجه للمضمون على حساب الشكل، أو المادة على حساب الصورة، في حين تميل أخلاق الواجب، التي عملت المثالية الألمانية على صياغتها منذ «كانط»، للشكل أو الصورة، وهكذا يتحدد الفارق الجوهري بين المدرستين، إذ تتقشف الأخلاق هنا وتتسع هناك، تتقشف - في فلسفة المتعة - بصفتها منظومة من القوانين، وتتسع في فلسفة الواجب وتصبح أبدية.

الفيلسوف الألماني «كانط»، المعروف بالانضباط والصرامة إلى الحد الذي جعل جيرانه يضبطون ساعاتهم وفقاً لأوقات ممارسته لرياضة المشي، الرياضة المفضلة لديه كأي «مشائي» يمتهن الفلسفة، انحاز إلى أخلاق الواجب وبنى عليها منظومته الأخلاقية العقلانية منتزعاً منها أساسها الديني، إذ إن للقيمة الأخلاقية خلوداً وشمولاً مرجعهما العقل الكلي أو الخالص، وكما قيض للفيلسوف الكشف عما دعاه بالعقل الخالص، أمكن له - وفي الآن نفسه - الكشف عن العقل العملي، إنها الأخلاق الثابتة والأزلية المتعالية على التاريخ، وإنه لكشف عملاق وثورة كوبرنيكية عظيمة يفجرها الفيلسوف في الأخلاق كما فجرها - من قبل - في الأبستمولوجيا.

هكذا تبدو، لو لم يلح كانط على السمة المطلقة للقانون الأخلاقي، فالأخلاق هي الأخلاق أياً كان الموقف، ليس هذا فحسب، بل إنها لا تستقيم دون أمر متعالٍ، من دون «مصادرة» أو «مسلمة» يشيد عليها الفيلسوف عمارته الأخلاقية، العمارة العملاقة الآهلة بالأحكام التي صممها في كتابه «نقد العقل العملي» والتي يسود فيها - من جهة - الواجب، الحكم الأخلاقي المتحلي دائماً بالديمومة والحتمية، وتتقلص فيها - من جهة أخرى - الرغبة، الإرادة، الحرية.

يرفض كانط كل نسبية، وفيما هو يفعل ذلك، يعود - نكوصيا - إلى ما كان قد نأى عنه بنفسه، فكانط - وهو يحثنا على الأخلاق الثابتة - يبدو مثل قسيس عقلاني يعيد الاعتبار للأصل الأسطوري المناهض بطبيعته للعقل، ولكن هذه المرة عبر نافذة الأخلاق. إذ بعد تشريحه النقدي، فضلاً عن الاستبعاد الإنسانوي الذي أقامته عصور النهضة الأوروبية، يأت الفيلسوف ليكرِّس كل عتاده النقدي ضد كل محتوى إنساني متحول ومرن لمصلحة المقولة المتعالية لأخلاق لا تكترث بالزمن والمقاصد، أخلاق لا تكترث إلا بذاتها: أخلاق الواجب التي ليس للذات إلا الانصياع لسطوتها.

إنها أخلاق سلطوية إذن، تؤول في تجلياتها القصوى إلى «تابو»، إلى «لا عقلانية».. وإنها لمفارقة صادمة أن تستحيل صرامة الفلسفة التي عرف بها إلى هذيان وخرافة، فالانفصال بين الشكل والمحتوى، بين القانون الأخلاقي والموقف الأخلاقي، وهي السمات التي تسم الأخلاق الأسطورية والأزلية والثابتة والمطلقة والتي تنتهي، في كل مكان تتعزز فيه، إلى شكلانية عمياء تُبقي على الشكل فيما هي تتجاهل باستمرار القيمة الأخلاقية، كل ذلك جعل من الصرامة النسقية مأساة هزلية: تحول النقد إلى تراجيكوميديا، والأخلاق إلى محض تخشب.. إلى مجرد قانون.

في قلب هذه التحولات ستبدو الأخلاق في مسارها الكانطي كما لو كانت نفياً، أخلاق لا تنفك تخون ذاتها، إذ تبدو الأخلاق الكانطية، أخلاق الواجب التي تحيل الذات إلى رضوخ آلي، هي في جوهرها أخلاق مفرغة من القيم، أخلاق لا أخلاقية. ولكن ثمة مرافعة إنقاذية تبذلها أخلاق المتعة، فليست الأخلاق إلا إجراءات للإشباع، ليست إلا قواعد لتصريف الرغبة والنزوعات الغرائزية. هكذا تعرف الأخلاق من منظور «متعوي بحت»، فإذا كانت الأخلاق عند كانط متسعة مزدهرة ومتسمة دائماً بتحديدها الإيجابي، فإنها هنا تتقلص لتصبح مجرد تدابير تتحدد على نحو سلبي: إنها ليست الأصل، الرغبة هي الأصل. وهو ما يعني أنها ذات طبيعة متحولة وسائلة، بحيث تبدو حرة وإنسانية وأخلاقاً أكثر أخلاقية.