آخر تحديث: 1 / 8 / 2021م - 12:58 ص

ثقافة على حبل الغسيل

بتول آل شبر

في إحدى الدورات التي أقدمها كل عام، كانت إحدى الحاضرات الكريمات متحمسة جدا، حيث شاركتنا في واحدة من ورش عمل النجاح واحتياجات هرم ماسلو، وبينما ذكر الجميع أسماء كثيرة وعديدة للناجحين والعظماء الذين بدأوا من الصفر، هتفت تلك الحاضرة «حقا! إنها ثقافة هامة للجميع ليتنا نستطيع نشرها علي حبل الغسيل وفي كل مكان علنا بين المجتمع!!».

مضي عام كامل علي هذا الحدث، لكنما بت أتساءل حتي الآن، هل حقا كل ثقافة يجدي نشرها؟ هل حقا كل معلومة نسمعها وكل تجربة نكسبها وكل قصة نتأثر بها يجب أن نعلقها علي حبل الغسيل أمام سطوح البلد؟ وهل ثقافتنا كلها وكل مافيها هي حقا ثقافة حقيقية الصنع يمكن أن تتعلق بمشابك الغسيل أم أنها كما يقول الشاعر العظيم نزار قباني: «ثقافتنا.. فقاقيع من الصابون والوحل.. فم ازالت بداخلنا.. رواسب من أبي جهل.. ومازلنا نفكر بالمفتاح والقفل.. إلخ»، لا أحب تلك التشبيهات التي قد تكون مؤلمة بعض الشيء، لكن تلك الحاضرة أثرت بشكل كبير في داخلي وجعلت جملتها عن حبل الغسيل عالقة في ذهني يتردد صداها كل يوم.

وحان موعد الإتيان والاستشهاد بتلك الجملة في هذه الحقبة الزمنية، بشكل عام في المنطقة الشرقية وبشكل خاص مدننا القريبة «الدمام والقطيف» تواجه طفرة كبيرة وقوية في الثقافة، لا علي مستوي الإعلام والكتب والتعليم فقط، بل علي مستوي أكبر وأهم من ذلك ألا وهو «التدريب والتأهيل»!!.

لو تأملنا قليلا في صفحات التواصل الاجتماعي ومواقع الأخبار المحلية، سنجد مئات الدورات.. ورش العمل.. المحاضرات.. إلخ، عن شتي المواضيع العامة، لكن النقطة الفاصلة ليس انتشارها فحسب، بل تأثيرها بعمق وترسيخها بصلابة في عقول المجتمع، وهي أبعد في حقيقتها من المرجعية العلمية المثبتة، ومدربيها أدنى من الفعالية المستحقة، وعلى الرغم من ذلك شاع صيتها وذاع أمرها، فاستغلها أصحابها في خديعة طبقة واسعة من المجتمع واستنصلت منهم أموال طائلة من حافظة اللا جودة!!.

مثال على ذلك الدورات وورش العمل التي ساهمت في زيادة التلاعب بأفكار الناس، وبدون ذكر أسماء لها، يقنع فيها المتلقي بالشفاء الروحي أو امتصاص قوة ما أو طرد عاطفة معينة أو برمجة داخلية أو موجات معينة، متبعين فيها خزعبلات كلامية ومفاهيم سحرية منها السمعي والبصري والوجداني، مستغلين فيها لهفة الناس نحو الرقي والتعلم والتطوير والاستزادة من علوم التنمية البشرية والنفس والاجتماع الأصلية، هذه الأفكار التي يتم نشرها للأسف عذرا غير مبنية لا علي أساس علمي ولا دراسات ولا بحوث، بل الأدهى والأمر ربط تلك الأفكار بأهل بيت النبي ﷺ وشخصيات تاريخية عظيمة، ولو راجع أي شخص ذلك التاريخ وتلك المصادر من الجامعات والمؤسسات الرسمية في كل العالم، لما وجد لها خيط صلة.

ثم مع ذلك يساهم المراكز الثقافية والمنظمات التنموية في استقبال مدربيها وناشريها لتقديمها لديهم، ويلقب ناشريها بألقاب غير واقعية وبلا شهادات مثبتة، كالماستر الدولي فلانة.. الدكتورة فلانة.. المعالج المعتمد فلان.. الاستشاري فلان، لكنما أين هي شهاداتهم وأين الدراسة تلك؟ هل البروفيسوراه والدكتوراة والماجستير التي يتعلمها بأتعاب ذوي التخصصية الفعلية تقارن بمن أخذ جولة تدريبية وإن طالت لا تزيد عن ستة أشهر؟

علما بأن تلك الجولة التدريبية متكلة اتكالا بحت علي ذلك الفكر غير العلمي ولا بحثي السابق ذكره، فيها من الترويج والتدريب على التأثير بالناس ورسم الأوهام في التشافي والراحة النفسية.. حتما يوجد أشخاص لديهم المصداقية والمعرفة، ومؤكد أن هناك سبيل ومعبر نحو البيانات والمعلومات المعتمدة بالصحة والشمولية، التي انكب علي التحقق منها علماء علي مدي مئات السنين.

ختاما أسأل نفسك قبل التوجه لأي برنامج ثقافي، هل فعلا هذا المدرب كفء؟ هل فعلا هذه المادة العلمية لها مرجع ومصدر؟ هل فعلا هذا ما أريد أن أبنيه في نفسي وأولادي وأحبتي ووطني؟ هل فعلا هذه حقيقة مثبتة في الدين أو الحضارة أو العلوم؟ هل فعلا ترويج كل مكتسب هو غايتنا؟ وهل فعلا النشر علي حبل الغسيل همنا نحو المستقبل وإن كان غسيلا متسخا؟ ثم هل فعلا أجيالنا القادمة تنتظر ثقافة علي حبل الغسيل بلا مشابك!! اسأل نفسك تلك الأسئلة ثم اتخذ القرار الذي يختاره عقلك لا عينيك.