آخر تحديث: 1 / 8 / 2021م - 12:58 ص

بوح الأندلس‎

نازك الخنيزي

كانت شمس خريف أكتوبر تطل من نافذتي تسابق الفراشات لاحتضان النور وتزاحم النحل لارتشاف رحيق الزهر المبلل بصباح يشبه الورد ينتهي في ثمار الجنان.

أغاني الحالمين كانت تطحن الرحى في الهواء وأنا أتهادى بعاطفة كسرب من الأشواق برغبة كانت تغفو على رصيف لم يمل الانتظار بصمت إلى الماضي المجيد والعطر الفريد..

رحلة كانت حلماً دام طويلاً في مهده يرقب الصمت ليغفو في ليالي الدروب الطويلة حيث الأنهار تحت طبقات الأرض كأقدار ترافق الروح … تصاعدت الأمنيات وارتفع صوت النبض يتبعه أزيز الأنفاس، حملتُ نبضي على غربال لأعماق التاريخ متجهة ألتقط نبض الفرح ليغدو كقيثارة حنين ورقصة فلامنكو  يلتقي فيها السحر الغجري مع الطرب العربي  تقرع أجراسها وتدور كالرحى تطحن الوقت لتخبر القمر أن هناك كف تنتمي بتاريخها إلى الفردوس المفقود …

لم يخطر لي في بال أن أكتب شيئاً عن أي من رحلاتي، ولكن الرحلة التي أسميتها «رحلة الحلم» البلاد التي عشقتها قبل رؤيتها فلا بد وأن أدون عنها شيئاً …

لقد ظلمت نفسي مرتين، مرة حين تأخرت عن وطأ ترابها والثانية حين منحتها مشاعري ولم أستطع الصبر عن سلوانها، عشقتها بعظمتها ومجدها أندلس العروبة والحضارة.. مشاعر لم أعهدها من قبل فقد تسارع نبضي واضطربت دقات قلبي ووصلت إلى مرحلة القشعريرة ارتعاشة سبقتني على سطر الوصول كلحظة ممطرة في سواقي الروح فاستبدلت دهشتي بالتأمل تجنباً للغرق في عالم احتضَن قلبي وأبعد الغيم عن عيني لأتفرد في التحديق إلى مدى الخيال والوقت ينتظر الإجابة من عطر الأنفاس … كما يقال - الأذن تعشق قبل العين أحياناً - فيا حاضراً بين الحروف لاتلمني على هذا البوح، فالأندلس تحمل خريفاً من الزهور …

امتدت الأنامل كإشارات لاتمل التلويح لزمن الوصل في أندلس الحب على شاطئ نهر الوادي الكبير، تقتنص العصافير في غابات المرافئ حيث اللحن ناي العشاق يأتي عارياً إلى الذاكرة إبتداء من قصة الحب بين الأميرة والشاعرة الأندلسية ولادة والشاعر ابن زيدون والتي تعد من أجمل قصص الحب في تاريخ الأندلس، كان لقائهما الأول في حدائق مدينة قرطبة الأندلسية جوهرة أسبانيا حيث رقصت الأرض وتغنت في مدارها أول الفجر..

امتاز الأندلسيون على المشارقة باختراع الموشحات، والتي انتشرت بعد ذلك في المشرق أيضاً، والموشح مأخوذ من الوشاح وهو عقد من اللؤلؤ والموشح في الاصطلاح الأدبي له تعريفات كثيرة، لعل أدقها ما ذكره ابن سناء الملك في كتابه «دار الطراز»، حيث يقول: ”الموشح: كلام منظوم على وزن مخصوص بقواف مختلفة..“ ويعد الموشح فنًا من فنون الشعر الرائعة التي توسع فيها شعراء الأندلس فأجادوا ببلاغتهم إظهار المنظومات في قالب جديد …

يا زمان الوصل بالأندلس

في الكرى أو خلسة المختلس

بقت أخيلة الشعراء تتقد كلما لاحت امرأة أسبانية يضيء في قسماتها الجمال العربي حيث يجتمع الجمال مع الأصالة والمجد الذي يعود إلى أصول عربية عريقة … ويتطابق الذوق النسائي مع الجسم العربي والشَعر الأسود الذي يكسو البدر والعيون الواسعة التي في سوادها يذوب الشهد …

أما كاتدرائية اشبيلية جيرالدا التي كانت أيام الأندلسيين عبارة عن مسجد يسمى «المسجد الجامع» بناه الموحدون ولم يبق من آثار المسجد غير المئذنة التي تعد تحفة هندسية، ارتفاع حوالي 97 متراً. استوقفتني بانبهار ورعشة سرت في جسدي للعلو الشاهق برشاقة وجمال ودقة في الزخارف والتفلصيل والتناسق وقد حُولت قمة المنارة إلى برج للنواقيس ….

وهي أعظم مبنى قوطي في أوربا تضم رفات المستكشف كرستوفر كولومبوس حسب مايراه بعض الأسبان وتضم له نصب تاريخي له، تحولت بعد سقوط اشبيلية عام 1246 مإلى برج للنواقيس ملحق بالكنيسة نصب في أعلاه عام 1568م، تمثال من البرونز يدور مع الرياح، ومن هنا أطلق عليها اسم جيرالديو أو دوارة الهوا وتحول هذا الاسم إلى جيرالدا وأصبح يطلق منذ أوائل القرن الثامن عشر على البرج بأكمله تلك التفاصيل في منطقة تحتفظ بتخطيطها القديم باعتزاز وفخر من طرف المدينة إلى

آخرها …حول القلاع وبين السواح يتناغم العود مع الخيول يحلق الحمام ليضيء بأجنحته فوق المئذنة …

في ذلك المقهى العريق الذي تجاوز عمره المائة عام كنت كنت أراشف فنجاناً مختلط بدم القصيد، أصغي إلى الناي الذي تعزفه شابة عشرينية في ركن قصي ملامحها تبعث الدفء في النفس، بينما مجموعة فتيات أخذن جانب من الرصيف لرسم تلك الأقواس وسماء زرقاء يضللها الفرح وتلونها البهجة، والنواقيس تدق وعبق أشجارالبرتقال الممتد ينقله النسيم، وجدت أن المجد والسعادة لايتوقفان عن الثقافة وأن الشمس استوطنت خلف رابية نخيل شاهقة تعاقر العصر وتخيط الأفق بالضوء في اللحظات المنقوشة على صدر المدن وتضاريس المكان …

اللوتس يجاهر بعطره
حمائم الصدر ترفرف
مواويل الفلامنكو تصدح
الكعوب الغجرية تهمس
الأجساد تنفض متاعب الأيام
الرقصة تشاكس الأرض
تعاقر الريح
تسجد الأصابع على صدر الناي
تروي الريشة والوتر
ترتشف جذور القصيدة
وأنفاس ترفرف في وئام
تنسج التأويل
أبوح للأندلس
لغيمها وشفقها
لجذورها وتاريخها
تيقنت أن العشق لايأتي افتراضاً
إلا في زمن العرافين…
وجدت روحي مهبطاً
بين براري الهوس
وشرائع الضياع
في أوردة العصور
اعتصمت عن التوبة بين أزقتها
تشبعتُ بعزلة القرن الأخير
الآيل للضياع
قرأتُ على جدرانها أمجاد
انتهت المواسم، اقترب العشب من روحي
عددت صمت الحصى الذي مرت به خطواتي
اختصرت تاريخ يقيني وولادتي في دفاتر الغيب
وضعت مؤشر الانتماء الطازج في سمائها
تابعت ضل المعابد فوجدتها جنة معلقة في السماء

لابد من تفريغ شحنات الشوق في صدر الورق ليتقد شعاع القمر موقظاً الضوء الساكن بين الضلوع بوسام باذخ اختمرت فيه أسرار الكون …فتحولت الأوراق إلى نجوم تُطعم الأرض ببذور تلامس الإحساس تمسك بالذراع إلى موطن الحلم على خرائط الفردوس التي تغسل وجه البحر تحت عنوان الأمل وبين إشراق البنفسج.