آخر تحديث: 29 / 7 / 2021م - 12:20 ص

هويَّات مشاغبة

نذير الماجد صحيفة الشرق

في ظل الاغتصاب «الهوياتي»، والنفي العنيف لكل أشكال التغاير، يبدو الاختلاف، والحث عليه، الفريضة الغائبة، التي يتعين التأكيد عليها في خطابنا الإعلامي والثقافي. ضد التماثل، يميل الخطاب الفلسفي المعاصر لتأكيد الاختلاف بصفته معطى لا يمكن تجاهله، وهو كذلك، ليس فقط لتعددية الذوات، وبالتالي لتأسيس متواصل لكثرة التأويلات، ولكن أيضاً لإضفاء معنى من شأنه أن يجمع التعدد، والكثرة المحسوسة في وحدة محتجبة، ولا مرئية. التأكيد على الاختلاف كشف لهذه الوحدة المتوارية، الوحدة اللامتعينة، التي تتكثف أكثر كلما أمعن الاختلاف في تشتيت الوحدة وتمزيقها، وهو قيمة لأنه دخول في علاقة، هذه العلاقة لها طابع جدلي، تبدو الفلسفة المعاصرة مدعوة لكشفها، وتفسيرها معرفياً، وتبريرها أخلاقياً.

وحدها الهوية المشاغبة، القادرة على مقاومة التماثل. الهوية المشاغبة لا تطابق ذاتها، ثمة «آخر» يقطنها، ويحيلها إلى غياب. إنها مفتوحة على التشظي، على التفتت، واللاانتظام، على المزيج المزعج لعناصر متنافرة، ومركبة. يتوجب تهشيم الصورة حتى تأخذ مكانها لإزاحة «الصورة الهادئة للهوية»، وتتجاوز ذاتها، وتصبح هويات. عندئذ فقط، في وسعنا الحديث عن هويات، بصيغة الجمع، أي حين نقوم بتفكيك الخطاب الاستحواذي، خطاب الذات النرجسية، التي لا تكف عن التأمل في ذاتها: تفكيك يعمل أفقياً، لتفجير الوحدة - في المكان - وإحالتها إلى تعدد، وعمودياً، ليتحول الثبات - في الزمان - إلى تحوّل، وتغيّر.

يمكن القول إن التعدد في الهويات واقع معطى لكنه غير مُفكَّر فيه، فالمجتمع لم يكف عن التعدد يوماً، ولم يتوقف عن الاختلاف، والتعدد ليس جديداً لكن الجديد هو الوعي به، عقلنته، وإدخاله بوصفه معطى أخلاقياً في منظومة القيم ليتخذ الصيغة التالية: ليس عالمنا متعدداً وحسب، بل ينبغي أن يكون كذلك، فالجديد ليس في انفجار الهويات، وإنما في تداخل الهويات، والوعي بتعددها، ولابد لهذا الوعي من أن يستبعد كل نرجسية ذاتية، لابد من مساءلة الهوية الحاضنة للحقيقة، والمتعالية على التاريخ، فالهويات تحيل إلى فهم ثقافي، حيث تنتفي فكرة الحقيقة المطلقة، لن تتحول الهوية إلى صيغة الجمع في حال بقيت فكرة الحقيقة المطلقة، أو التعريف المتجمد للذات، الهوية متعددة لأن ثمة ديمومة في انزياح المعنى، وهي كذلك متحوِّلة لأنها تتجاوز ذاتها باستمرار.

وإذا كان الاغتصاب «الجوهراني» للهوية الثابتة، والصورية، تمنع الذوات، ليس فقط من التمدد، بل أيضاً من حق الانكماش، التراجع أو التقلص، منع الشيء من أن يتحلل، فإن الذوات - الهويات - ستحتفظ بكامل خصوصيتها: للفرد أن يتوغل في «ذاتيته»، وفرديته، وللجماعة أن تتمسك بهويتها الثقافية في مناخ مدني حاضن للنسبية الثقافية، وللمجتمع المدني أن يتحوّل إلى مسرح كبير لأنانيات، لجماعات، لأفراد منعزلين، أما الفكر فلن يعود سكناً للكسل والراحة والسعادة، سيتيح الفكر للحمق والقلق والحذر واللاانتماء مكاناً في حقل اشتغاله، وسيمكّن الإنسان بما هو سلسلة من المشاريع، من أن يبدع ذاته بلا توقف، كما يدعو سارتر، الذي يحيل في فلسفته الوجودية، الماهية/ الحقيقة إلى سلسلة من الإمكانات الوجودية السابقة، التي عليها دائماً أن تنخرط في ممارسة يومية لتحديد الماهية. وأخيراً، يمكن لتفكيك الهوية الثابتة والأحادية أن يوفر مساواة، هي تلك الوحدة المحتضنة لكل التمزقات الداخلية، بنفي التراتبات القيمية بين الأفراد كما بين الجماعات.

لكن هذا الخطاب الجسور، والحديث في آن معاً، سيجد نفسه في مواجهة شرسة مع كل الثقافات ذات النزوع التوسعي، كنموذج لفرض الهوية الواحدة، والثابتة على واقع ممزق، ومختلف، ومتعدد، الثقافة التبشيرية التي تتعالى على الاختلاف بحجبه، أو بالهيمنة عليه، مبدأ التوسع الملازم «للهويات الإمبريالية»، يجعلها ترى الاختلاف، بوصفه انشقاقاً، بمنزلة اعتداء على وجودها، واستفزاز لقوتها.. وهكذا سنجد دائماً أن وجود المختلف هو بحد ذاته بمنزلة لوم، أو توبيخ، أو دعوة لسلوك إقصائي.