آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

مثقف وطائفي.. كيف؟

نذير الماجد صحيفة الشرق

إما أن تكون مفكراً، أو يتحتم عليك الحصول على قدر من الحدس يساعدك على كشف الرداءة المدعية، وفضحها. ما يلمع ليس ذهباً لأن هناك مَنْ يشوه الفكر، ليس بمظهر «الفذلكة»، و«الرطانة» التي يجيدها المتحدث «المهذار» وحسب، وإنما أيضاً بجوهر سيكولوجي عُجن بداء التبعية

كما أنه ليس كل ما يلمع بالضرورة ذهباً، كذلك ليس كل ثرثار «متفذلك»، وبارز إعلامياً، هو إنسان «معرفي»، بوسعه أن يساعدنا على فهم الظاهرة، والواقع، وإضاءتهما. وهذا شيء طبيعي، فهناك مَنْ لا يريد تبديد العتمة، وإزاحة الغموض بقدر ما يريد غسل الأدمغة، وهناك مَنْ لا يشيع الفهم بقدر ما يشيع التضليل والثرثرة.

يوجد فاصل دقيق يكاد يكون «شبحياً» بين اللمعان والذهب، بين المفكر والثرثار، ونحن في حاجة للتمييز بينهما إلى جهد فكري جبار، بحيث ننخرط في الفكر لتمييزه عن نقيضه. إما أن تكون مفكراً، أو يتحتم عليك الحصول على قدر من الحدس يساعدك على كشف الرداءة المدعية وفضحها. ما يلمع ليس ذهباً لأن هناك مَنْ يشوه الفكر ليس بمظهر «الفذلكة»، و«الرطانة» التي يجيدها المتحدث «المهذار» وحسب، وإنما أيضاً بجوهر سيكولوجي عُجن بداء التبعية.

لمعان في المظهر، وعبودية في الجوهر، والمحصلة ثرثرة، وتشويه، وتضليل. يمكننا القول على قاعدة التمييز «الكانطي» الشهير، الذي يقيم «الأبستمولوجيا» برمتها على الفصل بين الشيء في ذاته، والشيء في ظاهره، بين «الأنطولوجيا»، و«الفينومينولوجيا»، إن هنالك ظهوراً لا يلمع إلا لأنه يحجب خواءً داخلياً.. حتى إن كان هذا التمييز الكانطي لا يتضمن اختلافاً جوهرياً إلا أنه يمنحنا القدرة على وضع السؤال، والشك في الظاهرة الثقافية، في اللمعان الظاهري لجوهر عدمي، فالبريق تعويض عن فقر «جواني»، الجرأة الخارجية الماثلة في التأكيدات الرائجة في كل مكان، يشيع فيه غسيل الأدمغة، يعكس جُبناً داخلياً، أو فراغاً.. لا يغرنكم براعة الحديث، أو طول اللسان». صاحبنا إن برع في شيء ففي تعويض عجزه الفكري بالثرثرة، ولا شيء آخر، تلك هي كينونة المثقف اللامع، والاتباعي. مثقف واتباعي؟ أجل، يمكن أن يحصل ذلك على سبيل «المزحة» الأنطولوجية للمفكر الثرثار، الذي لا يكف عن اللمعان، والمديح، والتسول.

مع ذلك، فالسؤال الذي يفرض ذاته هو: كيف يمكن العثور على الذهب وسط بهرجة الألوان؟ المحك بالنسبة لي هو الفريضة الغائبة، الماثلة في «الفرادة»، والاستقلال. أي ثرثار يمتهن التسويق لما هو مألوف وقار على المستوى الثقافي الشعبي، أو في إرادة الفاعلين الأقوياء، أي ثرثار على هذا النحو يتعين شطبه، كما لو كنا مرغمين على التحلّي بنزوع استبدادي بعض الشيء للرفق بعقولنا، وضمان النزاهة الفكرية. وما ذلك إلا لأن المفكر الاتباعي تعبير متهافت، كلمة متناقضة تقوّض ذاتها.

لا أظنني في حاجة إلى التأكيد على أن صاحبنا الثرثار يتبع كل شيء إلا المعرفة، وذاته، حتى لا نقول ضميره. تبعية المفكر، الثرثار طبعاً، تأخذ أشكالاً متعددة، وألواناً قزحية، كلها تحيله إلى مهرج أخرق. يمكننا تعداد ألف شكل، وصورة من التبعية، لكننا سنلاحظ على الفور أنها تتلاقى في بؤر محورية، مثل الظاهرة ذاتها، وولي النعمة، وأهواء الجماعة.

يقال في العادة إن هنالك آفة، تتصف بها المعارف الإنسانية «علوم الاجتماع، والسياسة، وغيرهما»، فنحن نعرف أن عاهة العلوم الإنسانية في تداخل الذات بالموضوع على نحو يربك، ويشوه، ويحدث الالتباسات، إذ يكون المفكر جزءاً من المفكر فيه، وحيث الذات متورطة في موضوعها، إنها تقبع داخله، ما يثير صعوبات منهجية لا تقف عند حد، ويجعل من التجرد الضروري في كل خطاب يدعي التزامه المعرفي مثالية أفلاطونية، أو طوباوية مستحيلة.

ولكن من الضروري رسم أفق لفض التداخل بين الذات والموضوع، بحيث يكون القارئ، أو الباحث بمنأى عن كل المؤثرات الذاتية. التشابك بين الذات والموضوع أحد أنماط التبعية الناجمة عن نفاذ الظاهرة، والتصاقها بالذات. إن معرفية الخطاب وموضوعيته مشروطان بفض الاشتباك بين الذات والموضوع. لابد من الحياد لكي يولد الفكر، ويُوجد، ويؤدي مفعوله. صحيح أن الحياد بتمامه، ونقائه مثالية لا وجود لها في الواقع المادي الموضوعي، ولا يمكن أن توجد بتمامها على أرض الواقع، لكننا لا نضع المثال إلا لكي نرغم الواقع على اللحاق به. نطالب بالحياد الكامل لكي نجعل منه أداة إدانة وتعرية. الحياد مثالية تمنحنا مرآة كفيلة بكشف عورات المفكر الثرثار.

الحياد، والفرادة، والاستقلال، هي الصفات المثالية للمفكر الحقيقي. الحياد إزاء الظاهرة، والفرادة إزاء المألوف والعقل الجمعي، والاستقلال عن كل مكون سلطوي. المفكر الحقيقي ينبغي أن يكون في الأمام، والمقدمة دائماً. الفكر الحقيقي هو الذي يتقدم الواقع، وليس العكس. هناك ضرورة دائمة للتمييز بين المثقف، واعتقاده، وقبيلته، وطائفته، وأهوائه، عليه أن يقوم بتحييد اعتقاداته عن دوره بوصفه مثقفاً، يفترض في ذاته النخبوية والقيادة. عليه أن يكون انفصامياً بمعنى أنَّ: له أن يعتقد بما يشاء، ب «قدسية البقرة» مثلاً، ولكن ليس له ذلك في الوقت الذي يشرع فيه بممارسة دوره، ووظيفته بوصفه مفكراً - ليس ثرثاراً ألمعياً! - لهذا لا يمكن للمثقف أن يكون طائفياً على الإطلاق، لا يمكنه أن يكون «ممالئاً» لأحد إلا إذا خان ذاته وصار بوقاً.